مريم النويمي

الإجهاض هو «سقوط الجنين من الرحم قبل إتمام الأسبوع العشرين من الحمل» حسب تعريف منظمة الصحة العالمية. وهناك أقوال أخرى، تعتمد على الوزن، فالجنين الذي لم يبلغ وزنه 500 جراماً يعتبر إسقاطاً ما دامت الأم متيقنة أن حملها أقل من ستة أشهر.

هناك إجهاض غير متعمد بسبب ضعف الرحم أو عنقه، أو أسباب صحية أخرى تسبب ضعف الحمل وسقوط الجنين دون تدخل. وهناك إجهاض متعمد لتشوهات خلقية تتعارض مع الحياة، أو لخطر يهدد سلامة الأم، ما لم يكمل الجنين 120 يوماً من الحمل وبالطبع يتم إنهاء الحمل في أي وقت إذا كان يهدد سلامة الأم.

حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية، تُجرى سنوياً في العالم حوالي 73 مليون عملية إجهاض متعمّد، 61 % منها للحمل غير المقصود، 45 % منها غير آمنة. ويُعرّف الإجهاض غير الآمن، بأنه إجراء للتخلص من الحمل على يد أشخاص يفتقرون إلى المعلومات أو المهارات اللازمة، أو في بيئة لا تستوفي أدنى المعايير الطبّية، أو كلاهما، فينجم عن ذلك:

«الإجهاض الناقص، ببقاء أنسجة في الرحم تتسبب في استمرار النزف أو تعفن قد يقتل الأم. التعرض لنزيف شديد. الإصابة بالأمراض المعدية. ثقب الرحم وذلك لاستعمال أدوات حادة. تلف الجهاز التناسلي والأعضاء الداخلية بسبب إدخال أشياء خطيرة في قناة الولادة لمحاولة إسقاط الجنين».

في هذه الحالات قد تموت الأم، ولكن ماذا لو أن فكرة إسقاط الجنين تأخرت لبعد الشهر السادس من الحمل، بالذات في حالات الحمل غير المرغوب فيه، لأسباب عائلية أو اجتماعية، ماذا سيحدث! من سيدفع الثمن؟ المولود أم أمه؟

القدر سبق القرار، الروح نُفخت، والأعضاء خُلقت، لم يعد إجهاضاً، بل هي ولادة كاملة، نتج عنها مولود يتنفس بقلب ينبض، أُخرج قسراً قبل اكتماله، لأن أحدًا قرر أن رحلته داخل الرحم يجب أن تنتهي، تجنباً لفضيحة أو هروباً من حياة لا يرغبها، ومن هنا تبدأ حكاية أخرى تمامًا.

مولود شديد الخداجة، يأتي به الإسعاف لأن أحدهم وجده في مكان ما، وحيداً يقاوم للبقاء، فمن أنهى حمله تعامل معه كإجهاض، لم يكن كذلك، بل إنساناً يبحث عن نفس ليعيش، قد يبقى أسابيع أو أشهر في العناية المركزة لحديثي الولادة، وقد يحمل معه تبعات مضاعفات الرئة والدماغ والنظر والأمعاء والنمو وإعاقات، وقد يموت مبكراً بعدما يتذوق ألم وخز الإبر والأنبوب التنفسي، وضجيج الحفاظ على الحياة حوله، ودعوات الأمهات لأطفالهن في الحضانات المجاورة. الموت هو الرحمة الوحيدة التي تنسيه ما سبق، لن يبكيه أحد، ولن يتحمل إعاقته كائن، لذلك اختاره الموت.

أكثر ما يربك في هذه القصص أن القرار قد يستغرق دقائق، بينما قد يعيش الطفل نتائجه العمر كله، إن كُتبت له الحياة، والأشد إيلامًا أن بعض هؤلاء المواليد يصلون إلى العناية المركزة بلا تاريخ مكتوب، أو قصة معروفة، حتى الحبل السري رُبط بخيط لم تُحكم عقدته. لا نرى الخوف الذي سبق ولادتهم، ولا الظروف الاجتماعية، ولا الخطأ، ولا السر الذي حاول أحدهم دفنه، نرى مولوداً صغيرًا يقاوم، وهنا تتغير وظيفة الطب والطبيب، ليكون من واجبه الحفاظ على حياته وكرامته، مهما كانت قصة مجيئه إلى العالم.

فخلف بعض حالات الحمل غير المرغوب فيه خوف، وابتزاز، وعنف، وجهل، وضغط اجتماعي، وربما امرأة لم تجد من تستشيره في الوقت الصحيح. إدانة الفعل لا تقتضي أن نتوقف عن الرحمة، نحن بحاجة إلى الرحمة بالأم قبل أن تصل إلى قرار كارثي، وحماية الجنين قبل أن يصبح ضحية لذلك القرار، والحفاظ على حياة المولود إذا ولد حيًا، لأن قصته منذ تلك اللحظة لم تعد خطأ ارتكبه الكبار، إنها بداية حياة إنسان. وفي العناية المركزة لحديثي الولادة تتجرد القصص من مسمياتها وشكلها، لا يوجد أمام الحاضنة حمل مرغوب فيه وآخر غير ذلك، لكن هناك مولود، لا يعرف كيف جاء، ويجهل هوية من أخرجه من رحم أمه قبل اكتماله، ولا يدرك لماذا بقاؤه يضر بآخر!