حمود بن فلاح العتيبي

في مظهرٍ إيماني جليل يترجم مكانة المملكة العربية السعودية وعمق رسالتها كمهدٍ للوحيين وقبلةٍ للمسلمين، تواصل مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره خطَّ مسيرتها المتميزة، واضعةً بصمتها التاريخية كأعرق المحافل القرآنية وأضخمها على مستوى العالم. ومع اختتام المسابقة دورتها السادسة والأربعين، تتبدى أمام المشهد الإسلامي إنجازات تاريخية وأرقام قياسية غير مسبوقة، تُجسّد بجلاء الدعم غير المحدود الذي توليه القيادة الرشيدة لكتاب الله العظيم، ورعاية حفظته من مختلف أقطار الأرض.

وتهدف المسابقة إلى تحفيز أبناء المسلمين في العالم على التنافس في حفظ كتاب الله العظيم وتلاوته، وتشجيعهم على المسارعة إلى حفظ القرآن كاملًا، وربط الناشئة من المسلمين بالقرآن الكريم، وتحقيق عناية المملكة بالقرآن الكريم وتعليمه.

تأتي هذه المسابقة الدولية في كل عام لتعكس العناية البالغة، والرعاية الكريمة والمستمرة من لدن مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ــ حفظهما الله ــ، وبإشراف مباشر ومتابعة من وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، بصفته المشرف العام على المسابقات القرآنية المحلية والدولية؛ لتتحول المسابقة من منافسة سنوية إلى منصة رقمية وحضارية عالمية تلهم أجيال الأمة الإسلامية.

لم تكن مسيرة المسابقة مجرد تتابع للدورات، بل كانت صعودًا متسارعًا نحو القمة، وتأكيدًا عمليًا على ريادة المملكة في خدمة الوحيين، وهو ما تجلّى بوضوح في مسارها التاريخي الحديث الذي رصدته لغة الأرقام المتصاعدة:

انطلقت المسيرة الحديثة (1440هـ / 2019م)، بمشاركة 109 متسابقين من 73 دولة، وبجوائز بلغت 1.145 مليون ريال. وفي خطوة مفصلية نحو المستقبل، وجّه الوزير باعتماد التحكيم الإلكتروني بديلًا كاملًا عن الورقي، لتؤسس المسابقة لعصر جديد من الريادة التقنية. وفي عام (1441هـ /2020م)، ارتفع الطموح ليتنافس في المسابقة 147 متسابقًا يمثلون 103 دول، بجوائز بلغت 1.185 مليون ريال، ليتوسع هذا النطاق في عام (1445هـ / 2023م ) ويصل إلى 153 متسابقًا من 111 دولة، مع قفزة في ميزانية الجوائز إلى 2.7 مليون ريال.

واصلت المسابقة صعودها الإستراتيجي (1445هـ - 1446هـ/2024م )، ففي عام احتضنت 166 متسابقًا من 117 دولة، بجوائز بلغت 4 ملايين ريال، واستمر هذا المنحنى التصاعدي في عام (1446هـ - 1447هـ/2025م) ليصل إلى 174 متسابقًا من 123 دولة.

شهدت هذه الدورة (1447هـ / 2025م - 2026م) مشاركة 179 متسابقًا من 128 دولة، وحافظت على ميزانية الجوائز البالغة 4 ملايين ريال، إلا أنها حملت حافزًا استثنائيًا؛ حيث بلغت جائزة المركز الأول وحده نصف مليون ريال (500 ألف ريال).

استقرت المسابقة في قمتها الشامخة هذا العام (1448هـ / 2026م)، محققةً رقمًا قياسيًا هو الأضخم في تاريخها، حيث قفزت المشاركة لتضم 334 متسابقًا ومتسابقةً وفدوا من 133 دولة، وتوّجت هذه المنظومة بقفزة تاريخية للميزانية الإجمالية للجوائز لتصل إلى 10.260 ملايين ريال.

إلى جانب الحضور البشري والتنافس الشريف، فرضت التكنولوجيا الحديثة نفسها كعنصر أساسي في نجاح الدورات الحديثة للمسابقة. فلم تقتصر جهود وزارة الشؤون الإسلامية على التنظيم اللوجستي فحسب، بل وظفت الحلول الرقمية المبتكرة من خلال تطوير دائم للأنظمة والبرامج لضمان سرعة فائقة ودقة متناهية في رصد ومعالجة بيانات المتسابقين وتلاواتهم، وأتمتة التحكيم بربط النتائج وعمليات التقييم مباشرة بلوحات تحكيم رقمية متطورة تلغي الاجتهادات البشرية التقليدية، والحوكمة الشاملة لترسيخ أعلى معايير العدالة والشفافية والنزاهة في التقييم، لضمان حصول كل متسابق على حقه كاملًا، في أجواء من الطمأنينة والموضوعية.

هذا التميز المشهود، والأرقام الملهمة التي تسجلها مسابقة الملك عبدالعزيز الدولية، تؤكد للعالم أجمع أن المملكة العربية السعودية ستبقى دائمًا رائدة في خدمة كتاب الله، والراعية الوفية لأهله، مستندةً في ذلك إلى إرثها العظيم ورؤيتها المباركة التي تضع خدمة الإسلام والمسلمين في مقدمة أولوياتها.