طارق محمود نواب

تبقى على بداية القرن الثاني والعشرين حوالي 74 سنة و4 أشهر، ومع أن هذه المسافة تبدو بعيدة في حساب السنوات فإنها في عمر الحضارات ليست سوى ومضة عابرة بين زمنين.

حين يعبر العالم عتبة عام 2101 فلن يكون المشهد مجرد نسخة أكثر لمعانًا من حاضرنا، بل فضاءً جديدًا أعادت التقنية نحت ملامحه حتى صار الإنسان يقف أمام مرآة لم يصنعها من زجاج، بل من خوارزميات وأسئلة.

لذلك قد تصبح المدن أكثر يقظة، وستعرف البيوت أصحابها من نبض خطواتهم، كما ستصبح الآلة شريكًا في القرار، ويغدو الطب أقرب إلى قراءة الجسد قبل أن يعلن ألمه، بينما تختصر المسافات حتى يفقد البعيد هيبته، ويصبح الوصول عادة لا مغامرة.

غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذا البهاء، ليس ماذا سنخترع؟ وإنما ماذا سنفقد ونحن نخترع؟.

فالحضارات لا تذبل حين تنقص أدواتها، بل حين تضيق أرواحها. ولهذا فإن ما أخشاه في القرن الثاني والعشرين، ليس أن تصبح الآلة أكثر فطنة، بل أن يصبح الإنسان أقل دهشة، وأن يتوارى التأمل خلف سرعة الاستجابة، وأن تتحول الذاكرة إلى مخزن خارجي، والقلب إلى إشعار عابر، والعلاقة إلى نافذة تفتح وتغلق بلا أثر.

قد يمتلك إنسان ذلك الزمن جسدًا تطيل التقنية صلاحية أعضائه، لكنه سيظل عاجزًا عن شراء لحظة صفاء واحدة، إذا نضب داخله المعنى. كما قد تحيط به شاشات لا تنطفئ، لكنه سيبقى محتاجًا إلى عين تصغي قبل أن تنظر، وإلى يد لا تقيس العائد قبل أن تمتد، وإلى صوت لا يحسن المحاكاة، بقدر ما يحسن المواساة.

ذلك لأن هناك أشياء لا تدخل المختبر ولا تستجيب للبرمجة، مثل رائحة بيت قديم، وخشية أم على ابنها، ورجفة دعاء في آخر الليل. من هنا تكتسب تلك التفاصيل الصغيرة قيمتها، لأنها تمنح الإنسان وزنه، حين يصبح كل شيء حوله قابلًا للنسخ.

سيكون الامتحان الحقيقي لذلك القرن، هو القدرة على حماية المساحات التي لا ينبغي للتقنية أن تستولي عليها. فهناك مساحة للصمت الذي ينضج فيه الرأي، وللخطأ الذي نتعلم منه، وللخصوصية التي تحفظ للروح غرفتها المغلقة، فضلًا عن مساحة للحنين الذي يرفض أن يتحول إلى ملف محفوظ في سحابة إلكترونية.

وربما يستطيع إنسان القرن الثاني والعشرين، أن يرسل مركباته إلى جهات أبعد من خيالنا الحالي. لكن قيمة المستقبل لن تُقاس بما تصل إليه أيدينا، وإنما بما لا تسمح له قلوبنا أن يسقط منها. فالرحمة ليست تقنية قديمة، والوفاء ليس عادة منقرضة والحياء ليس عيبًا في زمن المكاشفة، كما أن الضمير ليس برنامجًا يمكن تحديثه بنقرة.

حين يجيء ذلك القرن، سيكتشف أحفادنا أن ما تركناه لهم لم يكن طرقًا وأجهزة ومدنًا فقط، بل معيارًا خفيًا لما يعنيه أن يكون المرء إنسانًا. فإذا ورثوا منا العقل دون المروءة صنعوا عالمًا ذكيًا باردًا، وإذا ورثوا القوة دون البصيرة، صنعوا مستقبلًا سريعًا بلا وجهة.

وعندها لن يكون الانتصار لمن امتلك أكثر الآلات تعقيدًا، بل لمن حافظ وسط هذا الفيض على قلب يعرف الامتنان، وعين ترى الآخر، وروح لا تستبدل دفء البشر ببرودة الكفاءة.

لذلك لا أخشى على الإنسان من القرن الثاني والعشرين، قدر ما أخشى من الإنسان إذا وصل إليه ناقصًا، لأن المستقبل لن يسألنا كم بلغ ذكاؤنا؟ بل كم بقي فينا من الرحمة حين صار كل شيء ممكنًا؟.