لمن يشتكون متذمرين قلقين على الإبداع بأنواعه (الفني، الأدبي، الفكري، الأكاديمي) من سطوة وتغول الذكاء الاصطناعي، نقول:
كما يستعين الصقار بطيره في موسم الصيد، سأستعين ببومة منيرفا لصيد فئران الإبداع الكاذب... عبر حكايات من خيال الكاتب.
وبما أن التاريخ بالهجري، فإنني أحدثكم عمّا قبل الذكاء الاصطناعي: في عام ألف وثلاثمائة وخشبة - الخشبة كناية عن البعد الزمني - تم افتتاح نادٍ أدبي في بلدة ترى نفسها آنذاك مدينة، ولأن هناك أذكياء بالمعنى السلبي للذكاء، فقد اكتشفوا أن الواقع الثقافي لا يستحق القلق من الحضور المتواضع معرفياً، إلى درجة أن أحد المستشعرين الأذكياء، ولكي يحصل على المكافأة المالية من النادي، أخذ قصيدة من ديوان في مكتبته لشاعر عربي مغمور بالنسبة لجمهور النادي، وألقاها ضمن قصائده المتنوعة في مصادرها المسروقة، وقد صفق لها الجمهور... لا تقلق على الشعر يا عزيزي القارئ، فالذي فعل هذا الفعل لا يعرفه أحد الآن.
محاضرة ألقيت في أوائل هذا القرن في نادي ثقافي عريق، تفاجأ مقدم الندوة بأن الضيف الدكتور لم يكلِّف نفسه احترام الحضور بإعداد ورقة بحثية صغيرة عمّا يريد قوله، بل قام بسحب كل ما أعجبه من محرك البحث «غوغل» عن الموضوع، ثم استخدم القلم المظهر على هذه الأوراق، ثم جمعها وحضر بها كما هي، وبكل فجاجة يقرأ منها على الجمهور، دون إشارة لأصحابها، ويضيف عليها بهاراته «الديماغوجية»، ولهذا دائماً الأذكياء يكسبون معارك الفكر ويخسرون حرب التنوير. ولهذا كانت معاركه «طرقيعة فكرية» واختفت، ولهذا قيل: «الذكاء وحده لا يكفي.. الرهان على الطبع الأصيل».
هل سلمت الأكاديمية من هذا التذاكي، أكيد لا... فما قبل الذكاء الاصطناعي، كان هناك الذكاء العربي الموزع بين بعض الجنسيات العربية.... الخ في إعداد البحوث لطلاب الدراسات العليا، ولكل بحث سعره ما بين الماجستير والدكتوراه، وصولاً إلى تساؤلاتك عن خريج أفضل الجامعات الغربية بمستوى لغوي في الإنجليزية أو الفرنسية يثير عندك الشك: هل كانت بعثته إلى أفضل جامعات العالم تصنيفاً أم بعثته إلى «ذعبلوتن»؟!
والتراجيدي/المأساوي أن يتحول مشرف الرسالة - تحت ضغط الحاجة المادية - إلى كاتب للرسالة بشكل غير مباشر. والكوميديا السوداء أن يتحول الأكاديمي المترف وقد يكون «عميد كلية أو مدير جامعة» شريكاً لأكاديمي «محتاج» في تأليف كتاب مرجعي ضخم لم يبذل فيه الأكاديمي المترف أي جهد علمي سوى جهد علاقاته البيروقراطية لشراء النسخ بين الجهات الحكومية، فمشاكل البحث العلمي قضايا لا ساحل لها كتب عنها غازي القصيبي وكتب غيره، ويا ما في جعبة الحاوي من أرانب الشهادات العليا، والبحوث المحكمة!!
هل انتهت المأساة القديمة؟ فما الجديد زمن الذكاء الاصطناعي!؟ بالنسبة لي لا مأساة ولا ما يحزنون فكما أن سرقة الكتب ونسبتها للنفس حدثت قديماً وحوكم صاحبها، فسيصل المتذاكين إلى كتاب كامل عبر الذكاء الاصطناعي ولن يحاكمهم أحد، فكل ما يحتاج إلى (إتقان) يمكن تقليده (رسم متقن، نص متقن، بحث متقن) لكن كل ما هو عظيم لا يمكن إتقانه مثلما يقول كيركيغارد (توجد هنا مرة أخرى حكمة مهيمنة رائعة بشكل خاص في توحيد ما ينتمي معاً، اكسل مع فالبورغ، وهوميروس مع حرب طروادة، ورفائيل مع الكاثوليكية، وموزارت مع دون جوان) كتاب «إما أو» لكيركيغارد، ترجمة قحطان سالم، ص101. وفي واقعنا العربي لا يمكن الفصل ما بين قيس وليلى ولا بني هلال وتغريبتهم، ولا بين محمود درويش وفلسطين، ولا إدوارد سعيد والاستشراق.
عزيزي القارئ النص المتقن يكتبه أي شخص يمتلك الأدوات ولهذا يكتبه الذكاء الاصطناعي، أما النص الجريح/الجارح فلا يمكن أن يكتبه إلا صاحبه، فالنص المتقن يصف الألم، والحقيقي يصدر عن الألم، والمتقن يكتب عن الجرح، والحقيقي يكتب من داخل الجرح، الحقيقي له ثمن نفسي/ وجودي ولهذا كانت نصوص: محمد الثبيتي، ومحمد زايد الألمعي والقائمة ليست طويلة للأسف لمن يعرف أن الشعر (ليس قبضة عدس).
خصوصاً إذا لاحظنا أن الذكاء الاصطناعي ينتج (ما يعجب القارئ داخل زمنه)، لكنه عاجز عن إنتاج الذي (يربك القارئ، يزعجه، يوقظه، يترك أثراً لا يمحى متجاوزاً زمنه) مثل زرادشت/ نيتشه، هذه هي الأغلال/ عبدالله القصيمي.
عزيزي القارئ الشاب تذكر أن الذين يعيشون كلماتهم – بقدر استطاعتهم أن يكونوا بحجم معناها - لا يخيفهم محرك البحث أو الذكاء الاصطناعي، بل يرونهما كأدوات الهندسة: من المسطرة إلى الفرجار، تعطي دقة أعلى في الرسم المعماري، لكنها ليست (معلم البناء ثفل اليدين) الذي يقول لك وهو واقف على تراب أرضك: هذا المخطط في أساساته يناسب أرضا جبلية ولا يناسب أرضك الساحلية، فترجع إلى المهندس لتكتشف أنه أخذ على عجل من تصاميم مكتب آخر في مدينة جبلية وباعه عليك، كل هذا قبل الذكاء الاصطناعي.
تذكروا أن الأدوات، من الملعقة التي تقينا حرارة تقليب الأكل في القدر، إلى الذكاء الاصطناعي الذي يعبئ لنا نموذج طلب وظيفة، ليست سوى أدوات تجعل يومنا (أسهل)، لكنها لا تجعل حياتنا (أجمل)، ولهذا لا تزال دودة القز حتى هذه اللحظة لم تفقد قيمتها في صناعة الحرير، وهي حشرة، رغم المنتجات الصناعية للملابس والسجاد، فما بالك بالإنسان، الذي استطاع جان جاك روسو «كمنظر تربية» أن يعطي الوالدين تقنيات نجاح أبنائهم، «تقنية النجاح» أما العبقرية فلا تحتاج حتى أبوين، العبقرية يتيمة... وهنا يجب أن يقف حتى شعر ذراعيك نشوة واندهاشاً.
بقي نقاش نخبوي أخير: ارتطم الإنسان علمياً بكوبرنيكوس في أن الأرض ليست مركز الكون، وبداروين في أن الإنسان ليس مخلوقاً خاصاً، وبفرويد في أن الانسان لا يعرف نفسه.
واليوم يرتطم الإنسان ثقافياً بالذكاء الاصطناعي ليكتشف أن التفكير – كما يعهده - ليس مرآة للذات، بل عملية يمكن أن تحدث (خارج الذات)... ضربة أنطولوجية نتأمل فيها فنستعيد تماسكنا عبر كتاب عبدالجبار الرفاعي «الدين والظمأ الأنطولوجي» فنطمئن إلى أن الإيمان خبرة وجودية، وليس عملية حسابية، وشتان ما بين الوعي الروحي، والمعالجة الخوارزمية، فالذكاء الاصطناعي يفتح باباً جديداً لفهم الإنسان، لكنه لا يلغي الإنسان كذات.
وكما هضمت البشرية وتقبلت ارتطاماتها العلمية مع (كوبرنيكوس، داروين، فرويد) فلن تعدم القدرة على هضم الذكاء الاصطناعي كأداة من أدوات الحياة، ولكني لن أتوهم يوماً بأنه الحياة، (نحن الحياة) بتحيزاتنا للحق والخير والجمال أو للباطل والشر والقبح، فلا تحملوا الذئب دم يوسف، فبئر التاريخ يشهد، حين أدلت القافلة دلوها، أن الذنب ذنب الإنسان، لا ذنب الذئب، مهما ذرفت الدموع وجيء بالقمصان.
كما يستعين الصقار بطيره في موسم الصيد، سأستعين ببومة منيرفا لصيد فئران الإبداع الكاذب... عبر حكايات من خيال الكاتب.
وبما أن التاريخ بالهجري، فإنني أحدثكم عمّا قبل الذكاء الاصطناعي: في عام ألف وثلاثمائة وخشبة - الخشبة كناية عن البعد الزمني - تم افتتاح نادٍ أدبي في بلدة ترى نفسها آنذاك مدينة، ولأن هناك أذكياء بالمعنى السلبي للذكاء، فقد اكتشفوا أن الواقع الثقافي لا يستحق القلق من الحضور المتواضع معرفياً، إلى درجة أن أحد المستشعرين الأذكياء، ولكي يحصل على المكافأة المالية من النادي، أخذ قصيدة من ديوان في مكتبته لشاعر عربي مغمور بالنسبة لجمهور النادي، وألقاها ضمن قصائده المتنوعة في مصادرها المسروقة، وقد صفق لها الجمهور... لا تقلق على الشعر يا عزيزي القارئ، فالذي فعل هذا الفعل لا يعرفه أحد الآن.
محاضرة ألقيت في أوائل هذا القرن في نادي ثقافي عريق، تفاجأ مقدم الندوة بأن الضيف الدكتور لم يكلِّف نفسه احترام الحضور بإعداد ورقة بحثية صغيرة عمّا يريد قوله، بل قام بسحب كل ما أعجبه من محرك البحث «غوغل» عن الموضوع، ثم استخدم القلم المظهر على هذه الأوراق، ثم جمعها وحضر بها كما هي، وبكل فجاجة يقرأ منها على الجمهور، دون إشارة لأصحابها، ويضيف عليها بهاراته «الديماغوجية»، ولهذا دائماً الأذكياء يكسبون معارك الفكر ويخسرون حرب التنوير. ولهذا كانت معاركه «طرقيعة فكرية» واختفت، ولهذا قيل: «الذكاء وحده لا يكفي.. الرهان على الطبع الأصيل».
هل سلمت الأكاديمية من هذا التذاكي، أكيد لا... فما قبل الذكاء الاصطناعي، كان هناك الذكاء العربي الموزع بين بعض الجنسيات العربية.... الخ في إعداد البحوث لطلاب الدراسات العليا، ولكل بحث سعره ما بين الماجستير والدكتوراه، وصولاً إلى تساؤلاتك عن خريج أفضل الجامعات الغربية بمستوى لغوي في الإنجليزية أو الفرنسية يثير عندك الشك: هل كانت بعثته إلى أفضل جامعات العالم تصنيفاً أم بعثته إلى «ذعبلوتن»؟!
والتراجيدي/المأساوي أن يتحول مشرف الرسالة - تحت ضغط الحاجة المادية - إلى كاتب للرسالة بشكل غير مباشر. والكوميديا السوداء أن يتحول الأكاديمي المترف وقد يكون «عميد كلية أو مدير جامعة» شريكاً لأكاديمي «محتاج» في تأليف كتاب مرجعي ضخم لم يبذل فيه الأكاديمي المترف أي جهد علمي سوى جهد علاقاته البيروقراطية لشراء النسخ بين الجهات الحكومية، فمشاكل البحث العلمي قضايا لا ساحل لها كتب عنها غازي القصيبي وكتب غيره، ويا ما في جعبة الحاوي من أرانب الشهادات العليا، والبحوث المحكمة!!
هل انتهت المأساة القديمة؟ فما الجديد زمن الذكاء الاصطناعي!؟ بالنسبة لي لا مأساة ولا ما يحزنون فكما أن سرقة الكتب ونسبتها للنفس حدثت قديماً وحوكم صاحبها، فسيصل المتذاكين إلى كتاب كامل عبر الذكاء الاصطناعي ولن يحاكمهم أحد، فكل ما يحتاج إلى (إتقان) يمكن تقليده (رسم متقن، نص متقن، بحث متقن) لكن كل ما هو عظيم لا يمكن إتقانه مثلما يقول كيركيغارد (توجد هنا مرة أخرى حكمة مهيمنة رائعة بشكل خاص في توحيد ما ينتمي معاً، اكسل مع فالبورغ، وهوميروس مع حرب طروادة، ورفائيل مع الكاثوليكية، وموزارت مع دون جوان) كتاب «إما أو» لكيركيغارد، ترجمة قحطان سالم، ص101. وفي واقعنا العربي لا يمكن الفصل ما بين قيس وليلى ولا بني هلال وتغريبتهم، ولا بين محمود درويش وفلسطين، ولا إدوارد سعيد والاستشراق.
عزيزي القارئ النص المتقن يكتبه أي شخص يمتلك الأدوات ولهذا يكتبه الذكاء الاصطناعي، أما النص الجريح/الجارح فلا يمكن أن يكتبه إلا صاحبه، فالنص المتقن يصف الألم، والحقيقي يصدر عن الألم، والمتقن يكتب عن الجرح، والحقيقي يكتب من داخل الجرح، الحقيقي له ثمن نفسي/ وجودي ولهذا كانت نصوص: محمد الثبيتي، ومحمد زايد الألمعي والقائمة ليست طويلة للأسف لمن يعرف أن الشعر (ليس قبضة عدس).
خصوصاً إذا لاحظنا أن الذكاء الاصطناعي ينتج (ما يعجب القارئ داخل زمنه)، لكنه عاجز عن إنتاج الذي (يربك القارئ، يزعجه، يوقظه، يترك أثراً لا يمحى متجاوزاً زمنه) مثل زرادشت/ نيتشه، هذه هي الأغلال/ عبدالله القصيمي.
عزيزي القارئ الشاب تذكر أن الذين يعيشون كلماتهم – بقدر استطاعتهم أن يكونوا بحجم معناها - لا يخيفهم محرك البحث أو الذكاء الاصطناعي، بل يرونهما كأدوات الهندسة: من المسطرة إلى الفرجار، تعطي دقة أعلى في الرسم المعماري، لكنها ليست (معلم البناء ثفل اليدين) الذي يقول لك وهو واقف على تراب أرضك: هذا المخطط في أساساته يناسب أرضا جبلية ولا يناسب أرضك الساحلية، فترجع إلى المهندس لتكتشف أنه أخذ على عجل من تصاميم مكتب آخر في مدينة جبلية وباعه عليك، كل هذا قبل الذكاء الاصطناعي.
تذكروا أن الأدوات، من الملعقة التي تقينا حرارة تقليب الأكل في القدر، إلى الذكاء الاصطناعي الذي يعبئ لنا نموذج طلب وظيفة، ليست سوى أدوات تجعل يومنا (أسهل)، لكنها لا تجعل حياتنا (أجمل)، ولهذا لا تزال دودة القز حتى هذه اللحظة لم تفقد قيمتها في صناعة الحرير، وهي حشرة، رغم المنتجات الصناعية للملابس والسجاد، فما بالك بالإنسان، الذي استطاع جان جاك روسو «كمنظر تربية» أن يعطي الوالدين تقنيات نجاح أبنائهم، «تقنية النجاح» أما العبقرية فلا تحتاج حتى أبوين، العبقرية يتيمة... وهنا يجب أن يقف حتى شعر ذراعيك نشوة واندهاشاً.
بقي نقاش نخبوي أخير: ارتطم الإنسان علمياً بكوبرنيكوس في أن الأرض ليست مركز الكون، وبداروين في أن الإنسان ليس مخلوقاً خاصاً، وبفرويد في أن الانسان لا يعرف نفسه.
واليوم يرتطم الإنسان ثقافياً بالذكاء الاصطناعي ليكتشف أن التفكير – كما يعهده - ليس مرآة للذات، بل عملية يمكن أن تحدث (خارج الذات)... ضربة أنطولوجية نتأمل فيها فنستعيد تماسكنا عبر كتاب عبدالجبار الرفاعي «الدين والظمأ الأنطولوجي» فنطمئن إلى أن الإيمان خبرة وجودية، وليس عملية حسابية، وشتان ما بين الوعي الروحي، والمعالجة الخوارزمية، فالذكاء الاصطناعي يفتح باباً جديداً لفهم الإنسان، لكنه لا يلغي الإنسان كذات.
وكما هضمت البشرية وتقبلت ارتطاماتها العلمية مع (كوبرنيكوس، داروين، فرويد) فلن تعدم القدرة على هضم الذكاء الاصطناعي كأداة من أدوات الحياة، ولكني لن أتوهم يوماً بأنه الحياة، (نحن الحياة) بتحيزاتنا للحق والخير والجمال أو للباطل والشر والقبح، فلا تحملوا الذئب دم يوسف، فبئر التاريخ يشهد، حين أدلت القافلة دلوها، أن الذنب ذنب الإنسان، لا ذنب الذئب، مهما ذرفت الدموع وجيء بالقمصان.