باريس: الوطن

تشكل زيارة الدولة التي يجريها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تلبية لدعوة رسمية من الرئيس إيمانويل ماكرون، لتشكل محطة تاريخية متجددة في مسار العلاقات الثنائية. وتعكس هذه الزيارة التقدير الفرنسي البالغ لمكانة المملكة السياسية والاقتصادية وثقلها الاستراتيجي على المستويين الإقليمي والدولي، ودورها المحوري في تعزيز أمن واستقرار المنطقة والعالم.

حراك دبلوماسي متبادل

تتوج هذه الزيارة سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى التي جمعت قيادتي البلدين خلال السنوات الأخيرة، والتي تجسدت في زيارات سمو ولي العهد إلى فرنسا في يوليو 2022م ويونيو 2023م، وزيارات الرئيس ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2021م وديسمبر 2024م.

وقد شهدت العلاقات نقلة نوعية عقب التوقيع على مذكرة تفاهم لتأسيس "مجلس الشراكة الاستراتيجية" بين البلدين في ديسمبر 2024م. ويمثل هذا المجلس الإطار المؤسسي الرئيس للتحول نحو شراكة منظمة ومستدامة تشمل كافة القطاعات الواعدة، حيث تشهد الزيارة الحالية انعقاد الاجتماع الأول للمجلس لتفعيل خطط العمل المشتركة.

قيادة دولية لدعم القضية الفلسطينية وحفظ الأمن الإقليمي

على الصعيد السياسي، تبرز المملكة وفرنسا كقوتين قائدتين للجهود الدولية الرامية لتنفيذ حل الدولتين. وقد تجلى هذا التنسيق في رئاستهما المشتركة للمؤتمر الدولي بشأن التسوية السلمية للقضية الفلسطينية في نيويورك (سبتمبر 2025م)، والذي تمخض عنه "إعلان نيويورك"؛ المحرك الدبلوماسي الأساسي الذي دفع بعدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 159 دولة حتى الآن.

وفي سياق متصل، يبذل البلدان جهوداً حثيثة لتحقيق أمن وحرية الملاحة البحرية ومواجهة الأزمات الراهنة. وتنظر باريس إلى الرياض كحليف وثيق وركيزة أساسية للسلم الإقليمي. كما يمتد هذا التنسيق إلى مجالات الدفاع والأمن عبر رفع مستوى التعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف، وتمويلهما، والأمن السيبراني، ومحاصرة الجريمة بشتى أشكالها.

لغة الأرقام: قفزة تجارية واستثمارات فرنسية متنامية

اقتصادياً، أثمرت الجهود المشتركة ومجلس الأعمال السعودي الفرنسي عن قفزة نوعية في التبادل التجاري الذي بلغ 11.5 مليار دولار في عام 2025م. وتعد فرنسا من أكبر المستثمرين في المملكة، حيث تعمل 650 شركة فرنسية في السوق السعودي، نجحت 39 شركة منها في نقل مقارها الإقليمية إلى المملكة، مستفيدة من التسهيلات المتاحة.

ويأتي هذا الزخم امتداداً لـ "منتدى الاستثمار السعودي الفرنسي" المنعقد في ديسمبر 2024م، والذي ركز على جودة الحياة، والبنية التحتية، والترفيه، والتحول التقني عبر حزمة من الاتفاقيات بين القطاعين الحكومي والخاص.

أمن الطاقة وسلاسل الإمداد ومواجهة التغير المناخي

يأتي ملف الطاقة كأحد أبرز ركائز الشراكة؛ حيث يثمن الجانب الفرنسي عالياً الدور السعودي في استقرار أسواق النفط العالمية وضمان مرونة سلاسل الإمداد. وقد برز خط أنابيب (شرق - غرب) كمسار بديل وناجح للحد من تقلبات الأسواق العالمية وتعزيز أمن الطاقة. وتتجسد هذه الشراكة في مشاريع نفطية وغازية عملاقة، على رأسها مجمع "ساتورب" بالجبيل ومشروع "أميرال" المشترك.

وإلى جانب الطاقة التقليدية، يفتح البلدان آفاقاً واسعة للاستثمار في الطاقة المتجددة (الترابط الكهربائي، الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح)، وتقنيات إزالة الكربون، فضلاً عن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وفي الملف البيئي، يلتزم الطرفان بمبادئ الاتفاقية الإطارية للتغير المناخي واتفاقية باريس، مع التركيز على خفض "الانبعاثات" وليس "المصادر". وتحظى الرياض بإشادة فرنسية واسعة لدورها الريادي عبر إطلاق مبادرتي "السعودية الخضراء" و"الشرق الأوسط الأخضر".

تمويل بـ 10 مليارات دولار وجسور جوية مباشرة

لدعم الشركات والمشاريع المرتبطة بـ "رؤية المملكة 2030"، وقع صندوق الاستثمارات العامة مذكرة تفاهم مع البنك الاستثماري الوطني الفرنسي لتقديم خدمات دعم تمويلي بقيمة تصل إلى 10 مليارات دولار على مدار خمس سنوات.

وعلى صعيد تعزيز حركة السياحة والأعمال، ساهم برنامج الربط الجوي السعودي بالتعاون مع مجموعة (Air France-KLM) في إطلاق رحلات مباشرة بين مطاري "شرل ديغول" بباريس والملك خالد الدولي بالرياض، مما يمهد الطريق لتقارب أكبر لخدمة المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.

مشروع "العُلا التاريخي": أيقونة التعاون الثقافي والسياحي

ثقافياً وسياحياً، تمثل اللجنة الوزارية السعودية-الفرنسية التأسيسية منذ عام 2018م حجر الزاوية للإشراف على مسيرة التحول الشامل لمحافظة "العُلا" لتحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية عالمية. وتتجسد الشراكة الفنية والمعمارية في مشاريع استثنائية، مثل تطوير منتجع شرعان المنحوت في الصخور بتصميم المعماري الفرنسي الشهير جان نوفيل، وتنفيذ مشروع "ترام العُلا" الصديق للبيئة بالتعاون مع شركة "ألستوم" الفرنسية.

كما تشهد المحافظة نشاطاً إبداعياً متواصلاً عبر مؤسسة "فيلا الحجر"، وهي أول مركز ثقافي سعودي-فرنسي مشترك يهدف لتدريب الكوادر الوطنية في قطاعات الضيافة، والآثار، وتدريس اللغة الفرنسية، بالتوازي مع العروض الموسيقية الراقية التي تجمع الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع أوركسترا دار الأوبرا الملكية الفرنسية. وفي يونيو 2026م، قفز التعاون السياحي إلى مستوى تنفيذي متقدم بتوقيع برنامج عمل مشترك لتنمية الموارد البشرية، وجذب الاستثمارات، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتطوير تنافسية الوجهات المستدامة.

الرياضات الإلكترونية 2026: حدث استثنائي بصبغة باريسية

وفي لفتة تعكس متانة الروابط الشبابية والرياضية والتقنية بين البلدين، جاء حضور سمو ولي العهد لحفل ختام بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2026م في باريس ليمثل حدثاً استثنائياً؛ حيث أقيمت هذه النسخة للمرة الأولى تاريخياً خارج حدود المملكة. وعبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن شكره العميق للمملكة على هذه الثقة باختيار العاصمة الفرنسية لاستضافة البطولة، واصفاً هذه الخطوة بأنها سابقة تاريخية يعتز بها البلدان بشكل كبير.