ياسين عزي

لم تعد الجامعة السعودية تُقاس بما تديره من أعمال بقدر ما تُقاس بما تضيفه من معرفة وقدرة وأثر؛ وهذا أحد التحولات العميقة التي دفعت بها رؤية السعودية 2030 التعليم الجامعي إلى أفق أوسع. وفي قلب هذا التحول تتقدم مسؤولية رئيس الجامعة؛ فالمكانة التي تبلغها المؤسسة لا تنفصل عن جودة قراراتها، ونوعية القيادات التي تعمل معها، والفرص التي تتيحها لكفاءاتها وباحثيها، وحسن توجيه الموارد والصلاحيات نحو ما يخدم رسالتها وطموح الوطن.

ولعل أكثر ما يختصر هذه المسؤولية أن مكانة الجامعة لا تبدأ يوم يظهر اسمها في تصنيف عالمي. فقبل الرقم عمل طويل يتشكل داخل المؤسسة؛ برنامج يعاد تطويره، وباحث يجد من يقدّر قدرته ويهيئ له ما يعينه على التقدم، وكفاءة سعودية تُكتشف وتُمكَّن وتوضع حيث تستطيع أن تقدم أفضل ما لديها، وقيادات تجد من الثقة والصلاحيات ما يسمح لها أن تنقل الخطة الإستراتيجية من وثيقة معتمدة إلى عمل يلمسه الطالب والباحث والمجتمع. وعندما تظهر نتيجة شنغهاي أو غيرها من التصنيفات، تكون قد سبقتها سلسلة من القرارات والممارسات التي صنعت جانبًا مما نراه في الرقم.

ويكتسب هذا المعنى أهمية أكبر في التعليم العالي السعودي؛ فالأعوام الماضية حملت تطورًا واسعًا في منظومة التعليم الجامعي، واستثمارًا كبيرًا في الكفاءات والأنظمة والفرص العلمية والبحثية، ضمن مشروع وطني جعل تنمية الإنسان والمعرفة جزءًا أصيلًا من التحول. ومع ما تقدمه القيادة الرشيدة من دعم للجامعات، اتسعت المسؤولية أيضًا؛ إذ لم يعد السؤال فيما تملكه المؤسسة من إمكانات، وإنما فيما تستطيع أن تصنعه بها، وفي مقدار ما تحوله من معرفة وكفاءات وصلاحيات إلى قيمة علمية وتنموية تليق بما يقدمه الوطن لها وما ينتظره منها.

وعلى هذا الأساس يمكن قراءة نتيجة شنغهاي؛ فالرقم الذي يظهر في لحظة سبقته أشهر، وربما سنوات، من قرارات مست البيئة البحثية، واستقطاب الكفاءات، وتمويل البحث، والدراسات العليا، والشراكات، والمجالات التي اختارت الجامعة أن توجه إليها جهدها العلمي. والمرتبة، مهما ارتفعت، لا تختصر الجامعة، وإنما تشير إلى جانب من حصيلة خياراتها الأكاديمية والبحثية وقدرتها على المنافسة دوليًا.

ولا يمكن قراءة مؤشرات شنغهاي جميعها بالطريقة نفسها؛ فبعضها يرتبط بتاريخ الجامعة وما بنته عبر عقود، مثل الجوائز العلمية الكبرى التي حصل عليها خريجوها أو أساتذتها، وهي أمور قد لا يستطيع رئيس أن يصنعها خلال سنوات تكليفه. وفي المقابل، توجد مؤشرات أقرب إلى ما تستطيع القيادة التأثير فيه بقراراتها؛ من هيكلة الوحدات العلمية وتفعيلها وتمكين الباحثين، إلى توجيه التمويل وتطوير الدراسات العليا، واختيار القيادات والفرق التي تحمل هذه الأولويات إلى واقع العمل. وتزداد قيمة التصنيف حين يعكس، بدرجة أقرب، تميز الجامعة في واقعها الحالي وجودة مخرجاتها، ويعينها في الوقت نفسه على معرفة ما تستطيع أن تبنيه، وما يستحق أولوية أكبر في المرحلة المقبلة.

فإذا كان الباحث الأعلى استشهادًا يدخل في حساب التصنيف، فهل يكفي أن تستقطبه الجامعة؟ أم أن السؤال الأهم يبدأ بعد وصوله: ماذا أضاف وجوده إليها؟ هل تكوّن حوله فريق بحثي؟ هل انتقلت خبرته إلى باحثين ناشئين وطلاب دراسات عليا؟ وهل ترك قدرة علمية تستطيع أن تستمر؟ وإذا كان الإنتاج البحثي أحد المؤشرات الرئيسة، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بعدد الأبحاث فقط، وإنما بالمجالات التي وُجّه إليها التمويل، وبالصلة بين ما تنشره الجامعة وما اختارته لنفسها من أولويات. وحتى المراكز البحثية والاستشارية لا يمنحها المسمى أو الموقع في الهيكل قيمة علمية بذاته؛ فقيمتها فيما تنتجه، وفي الكفاءات التي تجمعها، وفي الأسئلة التي تحولها إلى معرفة.

ولا تتساوى دلالة النشر في Nature وScience مع مجرد زيادة عدد الأوراق العلمية؛ فطريقة الاحتساب تراعي موقع التأليف والانتماء إلى الجامعة، كما يتضمن شنغهاي مؤشرًا للأداء الأكاديمي للفرد ترتبط فيه حصيلة المؤشرات الأخرى بحجم أعضاء هيئة التدريس. لذلك ليست القيمة في حضور اسم الجامعة داخل بحث مرموق وحده، ولا في استقطاب باحث معروف بذاته، وإنما فيما يترتب على ذلك داخل المؤسسة: فرق أكثر نضجًا، وباحثون ناشئون أكثر قدرة، وبرامج دراسات عليا أقوى، وإنتاج علمي يستطيع أن يستمر. وبهذا يصبح الاستقطاب بناءً لقدرة الجامعة، لا مجرد إضافة إلى رصيدها.

ومع ذلك، لا يختصر شنغهاي الجامعة كلها؛ فهو يقيس جوانب محددة من الأداء، بينما تبقى جوانب أخرى من رسالة المؤسسة خارج نطاق القياس أو لا تظهر فيه بالقدر نفسه. وتزداد قيمة التصنيف حين تستفيد الجامعة منه في مراجعة ما حققته فعليًا: أي الخيارات البحثية والأكاديمية أثمرت؟ وما الذي يحتاج إلى مراجعة؟ وأين ينبغي أن يتجه الجهد بعد ذلك بما يخدم أولويات الجامعة وأهدافها؟

ومن يعرف القرار الأكاديمي من الداخل يدرك أن التصنيف لا يبدأ يوم إعلان نتيجته؛ فالرقم الذي يظهر فيه يتشكل قبل ذلك بقرارات تتصل بالبحث، والدراسات العليا، والاستقطاب، والتمويل، وتنظيم العمل العلمي. ويمكن للجهة المختصة أن تجمع البيانات، وتراجعها، وتقارن المؤشرات، وتحدد مواضع القوة وما يحتاج إلى تحسين، وأن تقدم للقيادة قراءة مبكرة للفجوات والفرص؛ إلا أنها لا تستطيع بعد ظهور النتيجة أن تغير آثار قرارات اتُّخذت في وقت سابق، أو فرص لم يُحسن استثمارها. لذلك يبقى الموقع الذي تصل إليه الجامعة مرتبطًا بخيارات أكاديمية وبحثية وإدارية لا يظهر أثر بعضها كاملًا لحظة اتخاذها.

ويستحق الحضور السعودي في تصنيف شنغهاي كل الاعتزاز، وتزداد قيمته حين يقترن بفهم أدق لما تحقق داخل كل جامعة. فالتقدم لا يُقاس بتحسن المرتبة وحده، وإنما بما طرأ على جودة البحث وأثره، وقوة البرامج، ونوعية الاستقطاب، ونضج المجالات العلمية التي بدأت تمنح المؤسسة حضورًا يميزها. وبقدر ما تفهم الجامعة أسباب هذا التقدم، تصبح أقدر على تحديد ما ينبغي أن تحافظ عليه، وما يحتاج إلى تطوير، وما يستحق أولوية في المرحلة التالية.

أثبتت التجارب السعودية أن تحسن الموقع في التصنيف لا يأتي من وصفة أو نمط عمل واحد؛ فقد تقدمت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية من شريحة 901-1000 في تصنيف 2025 إلى 601-700 في 2026، وانتقلت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن من 701-800 إلى 601-700، فيما تقدمت جامعة الطائف من 601-700 إلى 401-500. ولا تكمن قيمة هذه النماذج في أرقامها وحدها، وإنما فيما تثيره من سؤال عن الطرق المختلفة التي قادت إليها: ما الذي تغير داخل كل جامعة قبل أن يتغير موقعها؟ وأي قرارات في البحث والاستقطاب والتمويل والدراسات العليا كان لها أثر في ذلك؟ فالجامعة لا تستفيد من تجربة نظيرتها حين تستنسخ نتيجتها، وإنما حين تفهم ما سبقها من عمل، ثم تطور ما يلائم رسالتها وأولوياتها وإمكاناتها.

ويعيد ذلك المسؤولية إلى القيادة؛ فرئيس الجامعة لا يتخذ كل القرارات بنفسه، لكنه يؤثر في نوعية من يتخذونها، وفي وضوح الصلاحيات والمسؤوليات، وفي مقدار الثقة التي تتيح لكل مستوى أن يؤدي دوره ضمن الأطر النظامية. وقد يكون أثره الأعمق أقل ظهورًا في عدد القرارات التي تحمل توقيعه، وأكثر حضورًا في جودة القرارات التي أصبحت الجامعة قادرة على اتخاذها عبر مستوياتها المختلفة.

ولا تكتمل قيادة الجامعة عند مستواها الأعلى؛ فالرؤية لا تصبح ذات أثر لمجرد اعتمادها في خطة، وإنما حين تتحول إلى قرارات ومسؤوليات واضحة في مستويات العمل المختلفة. ففي نطاق الشؤون الأكاديمية تتشكل قرارات تطوير البرامج والخطط الدراسية وجودة التعليم ومتابعة الأداء الأكاديمي، وفي الدراسات العليا والبحث العلمي تتجه المسؤولية إلى تطوير البرامج العليا، ودعم الباحثين، وتنمية النشاط البحثي، وتعزيز عمل المراكز والفرق العلمية. وتمتد المسؤولية إلى العمادات والكليات والأقسام، حيث تصبح القرارات أقرب إلى الطالب وعضو هيئة التدريس والبرنامج نفسه. أما المراكز والوحدات، فلا تستمد قيمتها من مسمياتها أو مواقعها في الهيكل، وإنما من وضوح اختصاصها وقدرتها على أداء ما أنشئت من أجله. وحين تعمل هذه المستويات في إطار واضح للصلاحيات والمسؤوليات، يتسع أثر الرئيس من القرار المباشر إلى قدرة الجامعة كلها على الإنجاز.

تمنح تجربة جامعة جازان هذه الفكرة مثالًا قريبًا؛ فقد عرفت الجامعة عبر مراحلها تحولات في الطريقة التي تنتظم بها بعض وظائفها، بين مراكز ومعاهد وأقسام علمية ومكاتب وإدارات، كما تغير الارتباط التنظيمي لبعضها مع إعادة الهيكلة. فتحول مركز اللغة الإنجليزية إلى معهد، ثم أصبحت وظيفة تعليم اللغة الإنجليزية لاحقًا ضمن قسم اللغات الأجنبية، وتغيرت كذلك الأطر التنظيمية التي احتضنت بعض الوظائف الأخرى، إلى جانب إنشاء جهات متخصصة مثل مكتب إدارة الإستراتيجية وإدارة التصنيفات. ولا تكمن أهمية هذه التحولات في المفاضلة بين مسمى وآخر، وإنما في السؤال الذي تضعه أمام القيادة: حين يتغير موضع الوظيفة، هل تنتقل معها المعرفة والصلاحيات والخبرة التي صنعت قيمتها؟

فبعض الوظائف تحتاج إلى قدر أكبر من الاستقلال الفني، وبعضها ينجح حين يكون أقرب إلى جهات أخرى، غير أن تغير الموقع التنظيمي لا ينبغي أن يقطع الصلة بما تكوّن حول الوظيفة من خبرة وبيانات وأدلة وصلاحيات. وقد يستمر العمل بعد إعادة التنظيم بصورة تبدو طبيعية؛ تبقى الاجتماعات والتقارير والجداول، بينما تكون أجزاء من المعرفة التي أسهمت في جودة الأداء قد توزعت بين أشخاص وملفات ولجان. لذلك لا يكفي أن تستمر المهمة، بل ينبغي أن تنتقل معها القدرة على تطويرها، وأن تتضح مسؤولية الجهة الجديدة عما انتقل إليها وما أصبح في نطاق اختصاصها.

أما مراجعة الهيكل بعد مدة من تطبيقه، فلا تعني التراجع عن القرار بقدر ما تعني اختبار أثره. فالسؤال يصبح: هل تحسن الأداء؟ هل أصبحت المسؤوليات أوضح؟ هل صار التنسيق أكثر كفاءة؟ وهل أضاف التنظيم الجديد إلى قدرة الجامعة ما يبرر استمراره؟ وبهذا تصبح المراجعة جزءًا من جودة القرار نفسه، لا موقفًا منه.

ولا يُقاس نجاح رئيس الجامعة بانتظام العمل اليومي وحده، بل بمدى قدرة الجامعة على الإنجاز من خلال قياداتها ووحداتها المختلفة. فقد تكون للرئيس رؤية واضحة، غير أن أثرها يظل محدودًا إذا لم تجد من يحسن تنفيذها في الكليات والعمادات والمراكز والأقسام، وإذا لم تُمنح هذه المستويات ما تحتاجه من صلاحيات ومسؤوليات واضحة. فالجامعة لا يمكن أن تعتمد في تقدمها على كفاءة شخص واحد، مهما بلغت؛ وإنما تتقدم حين يكون لكل مستوى اختصاص معلوم، وصلاحية تتناسب مع مسؤوليته، وحدود قرار واضحة تمنع التداخل وتُبقي المساءلة ممكنة.

من هذا المعنى يصبح اختيار الكفاءات جزءًا من جودة القيادة نفسها، لا مجرد إجراء يسبق التكليف وينتهي بصدور القرار. فالسيرة تخبرنا بما أنجزه الإنسان، لكنها لا تكفي وحدها لمعرفة مدى ملاءمته للمهمة التي تنتظره. وليس كل أكاديمي متميز قائدًا بالضرورة، كما أن طول الخبرة لا يجعل صاحبها الأصلح لكل موقع؛ فالقيادة الجامعية تحتاج إلى من يفهم المرحلة، ويقرأ المعطيات، ويدير الاختلاف، ويبني الثقة، ويتخذ القرار في وقته ويتحمل مسؤوليته، ثم يستطيع أن يحرك ما في الجامعة من كفاءات وإمكانات نحو أداء أفضل. لذلك لا يكون السؤال الأدق: هل هذا الشخص كفؤ؟ بل: لأي مهمة هو كفء، وفي أي مرحلة، وبأي صلاحيات، وأين يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه؟

فالنجاح في موقع بعينه لا يضمن النجاح في موقع آخر؛ إذ قد تختلف متطلبات التأسيس عن متطلبات التوسع، كما يفرض زمن التحول على القائد أدوارًا لا يفرضها زمن الاستقرار. ومن ثم لا يكون الاختيار بحثًا عن «الأفضل» في المطلق، بل عن الأكثر ملاءمة للمهمة، بما يملك من قدرات، وبما تمنحه المؤسسة من صلاحيات ومسؤوليات واضحة.

ولا تُختبر جودة هذا الاختيار عند صدور قرار التكليف فقط، وإنما تتضح مع ما يظهر لاحقًا من أداء ونتائج. وحين تعود الجامعة إلى مبررات الاختيار، وتقارنها بما تحقق فعلًا وبما أتيح للقائد من موارد وصلاحيات، فهي لا تراجع أداء الشخص وحده، وإنما تراجع أيضًا جودة قرارها في اختياره. ومن هذه المراجعة تتكون خبرة مؤسسية تجعل الاختيارات اللاحقة أكثر دقة.

أما تغير المواقع القيادية، فلا ينبغي أن يُقرأ بوصفه انتقاصًا ممن شغلوها؛ فقد ينجح قائد في مرحلة، ثم تحتاج المؤسسة لاحقًا إلى قدرات مختلفة، وقد تكون خبرته نفسها أكثر قيمة في موقع آخر. والجامعة الناضجة تحفظ للقائد ما قدمه، وتحتفظ في الوقت ذاته بحقها في التجدد وإعادة توزيع المسؤوليات وفق حاجتها؛ فلا يصبح البقاء غاية، ولا يتحول التغيير إلى حكم على من سبق.

وتزداد أهمية هذه الفلسفة حين نتذكر أن الجامعة لا تُبنى في دورة إدارية قصيرة. فالمدرسة العلمية تحتاج إلى سنوات، وكذلك الباحث القادر على المنافسة الدولية، وبرامج الدراسات العليا القوية، والثقافة البحثية التي تنمو داخل كلية أو قسم. وقد يكون من أنضج قرارات الرئيس ذلك القرار الذي يعرف منذ البداية أنه لن يرى ثماره كاملة خلال فترة تكليفه، ومع ذلك يتخذه لأن الجامعة ستحتاج إليه في مستقبلها.

ويظهر الفرق بين رئيس يدير حاضر الجامعة وآخر يبني لمستقبلها فيما يتركه داخلها من قدرة تستمر بعد سنوات قيادته. فاستقطاب باحث مؤثر قرار مهم، إلا أن القيمة الأبعد تظهر حين تنتقل خبرته إلى زملائه وطلابه، ويتكوّن من حوله فريق بحثي قادر على مواصلة العمل وتطويره. وكذلك قد يحقق تمويل مشروع نوعي إنجازًا لافتًا، غير أن الأثمن للجامعة أن يفضي هذا المشروع إلى قدرة علمية تستمر بعد انتهاء التمويل. وعندئذ لا يكون السؤال الأهم عما تحقق خلال فترة تكليف الرئيس وحدها، بل عما أصبحت الجامعة قادرة على مواصلته بعد انتهائها.

ثم يأتي سؤال الهوية العلمية: ما الذي تريد الجامعة أن تُعرف به؟ ليس مطلوبًا من الجامعات السعودية أن تتشابه حتى تتقدم؛ فلكل جامعة مكانها وكفاءاتها وتحدياتها وفرصها. والقيمة أن تعرف المجالات التي تستطيع من خلالها أن تخدم وطنها وتضيف إلى المعرفة الإنسانية، ثم تبني حولها ما يلزم من باحثين وبرامج وموارد.

في جازان تحديدًا، تملك الجامعة خصوصية مكانية يمكن أن تمدها بأسئلة علمية ذات قيمة، غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع ميزة بحثية. ويبدأ الفرق حين تعرف الجامعة أين توجد كفاءاتها، وتمنحها ما تحتاج إليه، وتصل بين الباحثين والمراكز والتخصصات حول قضايا تنبع من المكان وتنتج معرفة تتجاوز حدوده. فالخصوصية لا تصبح قوة لمجرد وجودها، وإنما حين تُقرأ علميًا ويُحسن الاستثمار فيها.

ومثلما تحتاج الجامعة إلى بناء قوتها العلمية، تحتاج إلى بناء قدرتها القيادية أيضًا؛ فاستمرار الإنجاز لا يعتمد على الأسماء القائمة وحدها. وإعداد الصف الثاني يبدأ بإتاحة خبرات حقيقية في قيادة الفرق والمشروعات، والمشاركة في صناعة القرار، وتحمل مسؤوليات تتدرج مع ما يظهر من قدرة. وبهذا تتسع دائرة المؤهلين للقيادة، ويصبح انتقال المسؤولية أقل ارتباطًا بالأشخاص وأكثر اتصالًا بخبرة تتكون داخل المؤسسة نفسها. وربما كان من الأسئلة الجديرة عند تقييم فترة رئيس الجامعة: هل أصبحت الكليات أقدر على إدارة أولوياتها؟ وهل اتسعت قاعدة المؤهلين للقيادة؟ وهل بقيت الخبرة داخل الجامعة، أم بقيت مرتبطة بالأشخاص وتغادر بخروجهم؟

من هذا المنظور لا يكفي التصنيف وحده للحكم على الجامعة؛ فهو مؤشر ينبغي أن يُفهم في ضوء أهدافها وخططها وما تحقق فعليًا. فالتقدم يستحق الاحتفاء بقدر ما يستحق تفسير أسبابه، والثبات قد يتزامن مع تحسن في جوانب لا تنعكس كاملة في المرتبة، كما أن التراجع لا يختصر أداء المؤسسة ولا يلغي ما تحقق فيها. والأهم أن تعرف الجامعة أي خياراتها أثبتت جدواها، وأيها يحتاج إلى مراجعة، حتى تبني قراراتها اللاحقة على فهم أدق لأدائها وأولوياتها.

وبهذا يقترب التصنيف من فلسفة الجودة لا من ثقافة الترتيب؛ فالجودة في معناها الأعمق هي قدرة الجامعة على أن تتعلم من تجربتها، فتحافظ على ما أثبت جدواه، وتراجع ما يحتاج إلى مراجعة، ولا تجعل قرار الأمس قيدًا على قرار الغد. ومع اتساع استقلالية الجامعة، تتسع مسؤوليتها عن جودة قراراتها وما يترتب عليها.

هذه المسؤولية لا تنفصل عن الطموح الوطني الأوسع؛ إذ تستهدف رؤية السعودية 2030 أن تكون خمس جامعات سعودية على الأقل ضمن أفضل 200 جامعة دولية. ومن ثم لا تكون المرتبة غاية مستقلة، بل تعبير عن مستوى التنافسية الذي تسعى المملكة إلى بلوغه بجامعاتها. ويبدأ تحقيق هذا المستهدف من داخل الجامعة نفسها؛ من جودة القيادة، وحسن اختيار الكفاءات، وتمكين الباحث، وقوة الدراسات العليا، ووضوح الهوية العلمية، وحسن توجيه الموارد إلى ما يخدم أولويات المملكة ويعزز حضورها العلمي.

وحين يُقاس النجاح بهذه المعايير، يتقدم سؤال أهم من سؤال المرتبة: أي جامعة نبني اليوم حتى تستحق المكانة التي نريدها غدًا؟ ففي وطن رفع، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، سقف الطموح من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل، لا يُقاس نجاح رئيس الجامعة بما تحقق خلال سنوات تكليفه وحدها، بل بما أصبحت الجامعة قادرة على مواصلته بعدها؛ بقيادات أكثر كفاءة، وباحثين وجدوا فرصتهم، وبرامج تعرف غايتها، وهوية علمية تعرف الجامعة من خلالها أين تستطيع أن تنافس. وعندئذ لا يعود صعود الجامعة في شنغهاي رقمًا تطارده القيادة، بل أثر متأخر لما بُني في داخلها من قدرة تستحق بها مكانتها.