منال الجعيد

هناك قضايا نقرأ عنها فنتعاطف معها، وهناك قضايا لا ندرك ثقلها الحقيقي إلا حين تقترب منا، وحين يصبح خلف مصطلح بارد مثل «التشخيص الخاطئ» وجه إنسان نعرفه، وأسرة تنتظر، وحياة ربما كان يمكن أن تأخذ مسارًا مختلفًا.

حين يدخل المريض إلى الطوارئ وهو يعاني ألمًا أو أعراضًا مقلقة، فإنه لا يدخل حاملًا ملفه الطبي فقط، بل يحمل معه ثقة كاملة بأن هذا هو المكان الذي سيكتشف ما يعانيه ويحميه من الخطر. لا يعرف اسم الطبيب الذي سيقابله، ولا الجامعة التي تخرج فيها، ولا سنوات خبرته، ولا عدد المرضى الذين سبقوه في المناوبة. كل ما يعرفه أنه مريض، وأن أمامه منظومة صحية يفترض أنها الأكثر قدرة على إنقاذه.

لكن ماذا يحدث عندما لا يكون التشخيص الأول صحيحًا؟

هذا السؤال لم يعد بالنسبة لي قضية طبية بعيدة. فقد عايشت تجربة قريبة وصلت فيها مريضة إلى الطوارئ وهي تعاني أعراضًا اتضح لاحقًا ارتباطها بجلطة، بينما كان التشخيص الأولي ينفي وجودها. وفي تجربة أخرى، كانت مريضة تعاني من حصوات، ثم تدهورت حالتها خلال رحلتها العلاجية حتى أصيبت بتسمم في الدم وانتهت الرحلة بوفاتها.

وأمام مثل هذه التجارب، لا تستطيع الأسرة أن تمنع نفسها من السؤال: هل كان بالإمكان اكتشاف الخطر مبكرًا؟ هل كان التشخيص الأول بحاجة إلى مزيد من التحقق؟ هل كانت هناك إشارات لم تُلتقط في الوقت المناسب؟ وهل كان يمكن لمسار مختلف في التشخيص أو العلاج والمتابعة أن يقود إلى نهاية مختلفة؟

لا أطرح هذه الأسئلة لإدانة طبيب بعينه، ولا أملك الحق في إصدار حكم طبي على حالات تحتاج إلى مراجعة متخصصة لملفاتها وتقاريرها، لكنني أطرحها لأن خلف كل حالة مشابهة قضية أكبر تستحق أن نتوقف أمامها: أين تنكسر سلسلة الأمان الطبي قبل أن يدفع المريض الثمن؟

هل تنكسر عند اللحظة الأولى، حين لا يُمنح المريض الوقت الكافي لشرح أعراضه؟ أم عند التشخيص حين يطمئن الطبيب إلى الاحتمال الأول ولا يعيد النظر فيه؟ هل تنكسر عند الفحوص عندما لا تكتمل الصورة السريرية؟ أم عند وصف الدواء دون مراجعة كافية لكل ما يتعلق بحالة المريض؟ أم عند المتابعة، عندما تتغير الأعراض ولا يُلتقط هذا التغير بالسرعة التي تستحقها؟

وربما تنكسر السلسلة قبل وصول المريض إلى المستشفى أصلًا؛ في مستوى التأهيل والتدريب، وفي معايير قياس الكفاءة، وفي بيئة العمل وضغط المناوبات وأعداد المراجعين، وفي ضعف التواصل بين التخصصات، أو في ثقافة مهنية لا تمنح مراجعة التشخيص والرأي الطبي الثاني المساحة التي يستحقانها.

ومن هنا يأتي سؤال آخر نسمعه كثيرًا: هل تراجع مستوى بعض الأطباء؟ وهل المشكلة في مخرجات التعليم الطبي؟ وهل خريجو الجامعات الأهلية تحديدًا جزء من المشكلة؟

قد يبدو البحث عن إجابة مباشرة لهذا السؤال مغريًا، لكن تحميل فئة كاملة من الأطباء المسؤولية بسبب الجامعة التي تخرجوا فيها سيكون اختزالًا غير عادل لقضية شديدة التعقيد. فليس كل خريج جامعة حكومية طبيبًا متميزًا بالضرورة، كما أن التخرج من جامعة أهلية لا يعني ضعف الكفاءة. اسم الجامعة وحده لا يشخّص مريضًا، والشهادة المعلقة على الجدار لا تحمي حياته.

السؤال الأجدر بالطرح هو: هل كل من يحصل على شهادة الطب ويمارس المهنة يمتلك بالفعل الكفاءة السريرية التي تؤهله لاتخاذ قرارات قد تفصل بين الحياة والموت؟ وهل أنظمة التدريب والترخيص والتقييم والتطوير المهني المستمر قادرة على اكتشاف جوانب القصور قبل أن يكتشفها المريض بالطريقة الأصعب؟

فالطب ليس مجموعة من المعلومات يحفظها الطالب ثم يستعيدها أمام المريض. الطب قدرة على الإصغاء، وربط الأعراض، واستبعاد الاحتمالات، وقراءة نتائج الفحوص ضمن سياقها، والأهم من ذلك كله امتلاك الشجاعة المهنية للشك في التشخيص الأول عندما لا تتوافق معه حالة المريض.

ولعل واحدة من أهم العبارات التي يمكن أن يقولها الطبيب ليست: «أنا أعرف ما لديك»، بل: «أحتاج إلى التأكد».

هذه العبارة لا تقلل من كفاءة الطبيب، بل قد تكون دليلًا عليها. فاليقين المتسرع في الطب قد يكون أكثر خطورة من الشك المسؤول. والمريض الذي لا تتحسن حالته وفق المسار المتوقع يستحق أن يعاد تقييمه، لا أن يصبح التشخيص الأول حقيقة ثابتة لا يجوز الاقتراب منها.

ولا تختلف المسؤولية كثيرًا عند وصف الدواء. فالوصفة الطبية ليست بضعة أسطر تنتهي عند صرف العلاج، بل قرار يفترض أن يأخذ في الاعتبار حالة المريض، وتاريخه المرضي، والأدوية الأخرى التي يتناولها، ووظائف أعضائه، والجرعات والتداخلات والمضاعفات المحتملة، ثم تأتي بعد ذلك المتابعة والاستجابة السريعة لأي تدهور غير متوقع.

ومع ذلك، سيكون من غير المنصف أن نحمّل الطبيب وحده كل إخفاق يحدث داخل منظومة صحية معقدة. الطبيب جزء أساسي من سلسلة الأمان، لكنه ليس الحلقة الوحيدة فيها. هناك مختبر، وأشعة، وتمريض، وصيدلة، وأنظمة إلكترونية، وتحويلات بين التخصصات، وإدارة للمنشأة، وسياسات للجودة وسلامة المرضى. ومن المفترض أن تعمل هذه الحلقات مجتمعة بحيث إذا أخفقت إحداها، التقطت الأخرى الخطأ قبل وصوله إلى المريض.

وهنا يكمن الجرح الحقيقي.

المطلوب ليس نظامًا يضمن ألا يخطئ طبيب أبدًا؛ فهذا غير واقعي. المطلوب منظومة تجعل من الصعب جدًا أن يعبر خطأ واحد كل خطوط الدفاع حتى يصل إلى المريض.

وحين تقع حادثة، يجب ألا يكون هدفنا الأول البحث عن شخص نحمله المسؤولية ثم نغلق الملف. علينا أن نسأل: لماذا وقع الخطأ؟ لماذا لم يُكتشف؟ أين كانت الحلقة الأضعف؟ وهل حدثت واقعة مشابهة من قبل؟ والأهم: ماذا تغير بعد هذه الحادثة حتى لا تعيش أسرة أخرى التجربة نفسها؟

كما نحتاج إلى ترسيخ ثقافة الرأي الطبي الثاني، خصوصًا في الحالات الخطرة أو غير الواضحة. طلب رأي طبي آخر ليس إهانة للطبيب الأول، وإعادة الفحص ليست تشكيكًا في كفاءته، وتغيير التشخيص عند ظهور معلومات جديدة ليس فشلًا. الفشل الحقيقي أن نستمر في الطريق نفسه رغم أن حالة المريض تخبرنا بأن علينا التوقف وإعادة التفكير.

وفي المقابل، لا ينبغي لمناقشة الأخطاء الطبية أن تتحول إلى حملة لتخويف المجتمع من الأطباء والمستشفيات. فهناك آلاف الأطباء الذين يعملون بإخلاص، وينقذون الأرواح يوميًا، ويتخذون قرارات صعبة تحت ضغوط كبيرة. الثقة بين الطبيب والمريض ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، لكن الثقة الحقيقية لا تتعارض مع المساءلة، كما أن احترام المهنة لا يعني الصمت عن مواطن الخلل فيها.

ما نحتاجه هو ثقافة أكثر نضجًا؛ لا تبرر كل شيء بعبارة «الخطأ وارد»، ولا تتعامل مع كل مضاعفة على أنها إهمال، ولا تجعل الاعتراف بالخطأ فضيحة، ولا تجعل مساءلة المنظومة إساءة إلى المهنة.

لأن خلف عبارة «خطأ في التشخيص» قد تكون هناك أم، أو أب، أو جدة، أو إنسان دخل المستشفى وهو يعتقد أنه وصل إلى المكان الأكثر أمانًا له.

وعندما تنتهي الرحلة بالفقد، لن يكون السؤال الذي يؤرق أسرته: من أي جامعة تخرج الطبيب؟

سيكون السؤال أبسط وأقسى:

أين انكسرت سلسلة الأمان؟ وهل كان بالإمكان إنقاذه قبل أن يدفع الثمن؟