يجلس الرجل في عمل لا يحبه منذ سنوات، ويقول لنفسه: اصبر. تبقى المرأة في علاقة تستنزفها، وتقول: لعل الأيام تصلح ما أفسدته الأيام. يتحمل الموظف إهانة تتكرر، ويسكت الأخ عن تجاوزات أخيه، ويؤجل الإنسان قرارا يعرف منذ زمن أنه يحتاج إلى اتخاذه. وفي كل مرة يجد كلمة محترمة تشرح ما يفعله: الصبر.
الصبر من الكلمات التي يصعب الاعتراض عليها. يكفي أن تصف إنسانا بأنه صبور حتى يبدو وصفك مديحا. وقد استقرت في وعينا صورة جميلة له: إنسان يتحمل الألم، ويواصل الطريق حين يتعب الآخرون، ويعرف أن بعض الأشياء تحتاج إلى وقت. هذه الصورة صحيحة، لكنها تترك وراءها سؤالا يستحق النظر: هل كل احتمال صبر؟
هناك إنسان يصبر لأنه يعرف ما ينتظر. طالب يسهر سنوات من أجل تخصص اختاره، وأب يتحمل مشقة التربية لأنه يعرف لماذا يفعل ذلك، ومريض يقبل تعب العلاج لأن وراءه أملا معقولا في التحسن. هذا النوع من الصبر له اتجاه، وله معنى، وله شيء يتقدم نحوه الإنسان، حتى إن بدا التقدم بطيئا. وفي المقابل، قد يحتمل الإنسان لأنه اعتاد الاحتمال. يمضي عام ثم عام آخر، والوضع نفسه يتكرر، والمشكلة ذاتها، والأذى نفسه، والشكوى نفسها. وحين تسأله: إلى متى؟ يجيبك بالكلمة القديمة: اصبر. هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا: هل هو يصبر فعلا، أم يخشى القرار الذي سيأتي بعد نفاد الصبر؟
فالقرار له كلفة. ترك العمل يحتاج شجاعة، ووضع الحدود قد يغضب بعض الناس، وإنهاء علاقة مؤذية يفتح بابا مجهولا، والاعتراض على معاملة سيئة قد يخلق مواجهة. ولهذا تكون المعاناة المألوفة أحيانا أهون على النفس من مستقبل لا تعرف شكله. الإنسان يستطيع التعايش مع ألم يعرفه أكثر مما يستطيع التقدم نحو حياة لا يعرف تفاصيلها.
والنفس ماهرة في التكيف. أول إهانة تؤلم، والثانية تغضب، وبعد سنوات قد يصبح الهم أن تمر الإهانة بأقل خسائر ممكنة. تتغير المعايير ببطء، حتى يتراجع سؤال: كيف أخرج من هذا الوضع؟ ويحل مكانه سؤال أصغر: كيف أتحمله اليوم؟
هنا يبدأ الصبر في أداء وظيفة مختلفة.
حين يتحول هدف الإنسان من إصلاح حياته إلى تحسين قدرته على احتمال ما يؤذيه، يصبح من الضروري أن يعيد تسمية ما يفعله. فبعض الناس يظنون أن قدرتهم على الاحتمال دليل على صحة الاستمرار، مع أن الإنسان يستطيع احتمال أشياء كثيرة لا ينبغي له أن يعيش معها أصلا.
يظهر ذلك بوضوح في العلاقات. شخص يعطي، ويتنازل، ويتفهم، ويبحث للطرف الآخر عن الأعذار. يمر الوقت، فيصبح عطاؤه المتوقع واجبا، وتصبح إساءة الآخر حادثة ينبغي تجاوزها، ثم يطالب نفسه بمزيد من الاحتمال لأنه احتمل كثيرا من قبل. والغريب أن السنوات التي قضاها في الصبر تتحول إلى حجة للاستمرار: لقد صبرت خمس سنوات، فكيف أترك الآن؟
وربما كان السؤال الأجدر: ماذا علمتك هذه السنوات الخمس؟
فالمدة وحدها لا تمنح التجربة صحة. قد يمشي الإنسان زمنا طويلا في الاتجاه الخطأ، ولا تصبح الجهة صحيحة لأن قدميه تعبتا في الطريق إليها.
في العمل يحدث شيء قريب من ذلك. موظف يؤجل البحث عن فرصة أفضل عاما بعد عام. ينتظر أن يتغير المدير، ثم ينتظر ترقية، ثم تحسن السوق، ثم نهاية مشروع، ثم ظرفا أكثر ملاءمة. تمر السنوات، فيكتشف أن أكثر ما تغير هو عمره. فهل كان صبورا طوال ذلك الوقت؟ ربما كان كذلك في بعض المراحل، وربما استخدم الصبر في مراحل أخرى كي يؤجل مواجهة حقيقة يعرفها منذ البداية.
لهذا يبدو الفرق مهما بين صبر يمنح الزمن فرصة ليعمل، وصبر يمنح المشكلة زمنا أطول لتترسخ. الشجرة تحتاج إلى صبر، لأنك لا تستطيع أن تشدها من أغصانها حتى تسرع نموها. أما الباب المغلق الذي تحمل مفتاحه في جيبك، فانتظار انفتاحه من تلقاء نفسه لا يصبح حكمة لمجرد أن الانتظار طال.
قد يكون السؤال الذي يكشف الأمر بسيطا: ماذا يتغير أثناء هذا الصبر؟
إذا كانت المعرفة تزداد، والخطوات تتقدم، والاحتمالات تتحسن، فهناك معنى للانتظار. أما حين تتكرر الظروف نفسها، والأذى نفسه، والوعود نفسها، والأعذار نفسها، فقد يتحول الزمن إلى عداد يسجل مقدار ما تحملناه، من غير أن يقربنا من شيء.
الأصعب أن الإنسان قد يتعلق بصورة الصابر عن نفسه. تعجبه فكرة أنه الشخص الذي يحتمل أكثر من غيره، والذي لا يشتكي، والذي يبقى واقفا مهما حدث. تصبح هذه الصورة جزءا من هويته، فيشعر أن التوقف نوع من الهزيمة، وأن وضع حد لما يحدث اعتراف بأنه لم يعد قويا كما كان.
مع أن القوة قد تظهر أحيانا في الاتجاه الآخر.
فالإنسان يستطيع حمل حجر ثقيل مسافة طويلة، والسؤال الأهم ليس: كم يستطيع أن يحمله؟
السؤال: لماذا يحمله أصلا؟
الصبر يمنح الأشياء وقتها، ويحمي الإنسان من استعجال ما يحتاج إلى نضج، ويعينه على ما لا يملك تغييره سريعا. وقد يأتي وقت يصبح فيه الصبر نفسه محتاجا إلى مراجعة، لأن الفضائل أيضا يمكن أن نستخدمها في غير موضعها.
ولهذا ربما لا يكون السؤال: هل أستطيع أن أصبر أكثر؟
السؤال الذي يستحق أن يتقدم عليه هو:
أنا أصبر على ماذا؟ ولأجل ماذا؟
الصبر من الكلمات التي يصعب الاعتراض عليها. يكفي أن تصف إنسانا بأنه صبور حتى يبدو وصفك مديحا. وقد استقرت في وعينا صورة جميلة له: إنسان يتحمل الألم، ويواصل الطريق حين يتعب الآخرون، ويعرف أن بعض الأشياء تحتاج إلى وقت. هذه الصورة صحيحة، لكنها تترك وراءها سؤالا يستحق النظر: هل كل احتمال صبر؟
هناك إنسان يصبر لأنه يعرف ما ينتظر. طالب يسهر سنوات من أجل تخصص اختاره، وأب يتحمل مشقة التربية لأنه يعرف لماذا يفعل ذلك، ومريض يقبل تعب العلاج لأن وراءه أملا معقولا في التحسن. هذا النوع من الصبر له اتجاه، وله معنى، وله شيء يتقدم نحوه الإنسان، حتى إن بدا التقدم بطيئا. وفي المقابل، قد يحتمل الإنسان لأنه اعتاد الاحتمال. يمضي عام ثم عام آخر، والوضع نفسه يتكرر، والمشكلة ذاتها، والأذى نفسه، والشكوى نفسها. وحين تسأله: إلى متى؟ يجيبك بالكلمة القديمة: اصبر. هنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا: هل هو يصبر فعلا، أم يخشى القرار الذي سيأتي بعد نفاد الصبر؟
فالقرار له كلفة. ترك العمل يحتاج شجاعة، ووضع الحدود قد يغضب بعض الناس، وإنهاء علاقة مؤذية يفتح بابا مجهولا، والاعتراض على معاملة سيئة قد يخلق مواجهة. ولهذا تكون المعاناة المألوفة أحيانا أهون على النفس من مستقبل لا تعرف شكله. الإنسان يستطيع التعايش مع ألم يعرفه أكثر مما يستطيع التقدم نحو حياة لا يعرف تفاصيلها.
والنفس ماهرة في التكيف. أول إهانة تؤلم، والثانية تغضب، وبعد سنوات قد يصبح الهم أن تمر الإهانة بأقل خسائر ممكنة. تتغير المعايير ببطء، حتى يتراجع سؤال: كيف أخرج من هذا الوضع؟ ويحل مكانه سؤال أصغر: كيف أتحمله اليوم؟
هنا يبدأ الصبر في أداء وظيفة مختلفة.
حين يتحول هدف الإنسان من إصلاح حياته إلى تحسين قدرته على احتمال ما يؤذيه، يصبح من الضروري أن يعيد تسمية ما يفعله. فبعض الناس يظنون أن قدرتهم على الاحتمال دليل على صحة الاستمرار، مع أن الإنسان يستطيع احتمال أشياء كثيرة لا ينبغي له أن يعيش معها أصلا.
يظهر ذلك بوضوح في العلاقات. شخص يعطي، ويتنازل، ويتفهم، ويبحث للطرف الآخر عن الأعذار. يمر الوقت، فيصبح عطاؤه المتوقع واجبا، وتصبح إساءة الآخر حادثة ينبغي تجاوزها، ثم يطالب نفسه بمزيد من الاحتمال لأنه احتمل كثيرا من قبل. والغريب أن السنوات التي قضاها في الصبر تتحول إلى حجة للاستمرار: لقد صبرت خمس سنوات، فكيف أترك الآن؟
وربما كان السؤال الأجدر: ماذا علمتك هذه السنوات الخمس؟
فالمدة وحدها لا تمنح التجربة صحة. قد يمشي الإنسان زمنا طويلا في الاتجاه الخطأ، ولا تصبح الجهة صحيحة لأن قدميه تعبتا في الطريق إليها.
في العمل يحدث شيء قريب من ذلك. موظف يؤجل البحث عن فرصة أفضل عاما بعد عام. ينتظر أن يتغير المدير، ثم ينتظر ترقية، ثم تحسن السوق، ثم نهاية مشروع، ثم ظرفا أكثر ملاءمة. تمر السنوات، فيكتشف أن أكثر ما تغير هو عمره. فهل كان صبورا طوال ذلك الوقت؟ ربما كان كذلك في بعض المراحل، وربما استخدم الصبر في مراحل أخرى كي يؤجل مواجهة حقيقة يعرفها منذ البداية.
لهذا يبدو الفرق مهما بين صبر يمنح الزمن فرصة ليعمل، وصبر يمنح المشكلة زمنا أطول لتترسخ. الشجرة تحتاج إلى صبر، لأنك لا تستطيع أن تشدها من أغصانها حتى تسرع نموها. أما الباب المغلق الذي تحمل مفتاحه في جيبك، فانتظار انفتاحه من تلقاء نفسه لا يصبح حكمة لمجرد أن الانتظار طال.
قد يكون السؤال الذي يكشف الأمر بسيطا: ماذا يتغير أثناء هذا الصبر؟
إذا كانت المعرفة تزداد، والخطوات تتقدم، والاحتمالات تتحسن، فهناك معنى للانتظار. أما حين تتكرر الظروف نفسها، والأذى نفسه، والوعود نفسها، والأعذار نفسها، فقد يتحول الزمن إلى عداد يسجل مقدار ما تحملناه، من غير أن يقربنا من شيء.
الأصعب أن الإنسان قد يتعلق بصورة الصابر عن نفسه. تعجبه فكرة أنه الشخص الذي يحتمل أكثر من غيره، والذي لا يشتكي، والذي يبقى واقفا مهما حدث. تصبح هذه الصورة جزءا من هويته، فيشعر أن التوقف نوع من الهزيمة، وأن وضع حد لما يحدث اعتراف بأنه لم يعد قويا كما كان.
مع أن القوة قد تظهر أحيانا في الاتجاه الآخر.
فالإنسان يستطيع حمل حجر ثقيل مسافة طويلة، والسؤال الأهم ليس: كم يستطيع أن يحمله؟
السؤال: لماذا يحمله أصلا؟
الصبر يمنح الأشياء وقتها، ويحمي الإنسان من استعجال ما يحتاج إلى نضج، ويعينه على ما لا يملك تغييره سريعا. وقد يأتي وقت يصبح فيه الصبر نفسه محتاجا إلى مراجعة، لأن الفضائل أيضا يمكن أن نستخدمها في غير موضعها.
ولهذا ربما لا يكون السؤال: هل أستطيع أن أصبر أكثر؟
السؤال الذي يستحق أن يتقدم عليه هو:
أنا أصبر على ماذا؟ ولأجل ماذا؟