ليس السؤال: لماذا نبكي؟ فالبكاء لغة قديمة أقدم من الكلام، وأصدق من البيان، وإنما السؤال الذي يطارد الإنسان كلما جفّت دموعه هو: هل البكاء يشفي؟
لعلنا نظن أن الدموع تخرج من العين، والحقيقة أنها تخرج من أعماقٍ لا تعرفها العين. فما العين إلا النافذة، وأما البكاء فيبدأ من مكانٍ لا يراه الأطباء، ولا تصل إليه الأشعة، ولا تصفه العقاقير؛ يبدأ من ذلك الموضع الذي إذا انكسر سُمِّي قلبًا، وإذا تألم سُمِّي روحًا.
نحن لا نبكي لأن المصيبة كبيرة، بل لأن النفس أصغر من أن تحملها وحدها. ولو كانت الأحزان تُقاس بحجمها، لبكى الناس سواء؛ ولكنهم يبكون بمقدار ما أحبوا، وبمقدار ما وثقوا، وبمقدار ما كانوا يحلمون. فالدمعة ليست بنت الألم، وإنما بنت المحبة؛ إذ لا يبكي الإنسان على ما فقده فحسب، بل على ما كان يرجو أن يبقى.
وقد أدرك ابن الرومي هذه الحقيقة حين وقف على قبر ولده الأوسط، فلم يجد في اللغة ما يساوي لوعة الفقد، فقال:
بُكاؤُكما يَشفي وإن كان لا يُجدي
فجودا فقد أودى نظيرُكما عندي
في هذين الشطرين مفارقةٌ تهز القلب؛ فالبكاء عنده يشفي، لكنه لا يُجدي. يشفي الصدر من اختناقه، ولا يغيّر الواقع. يخفف وطأة المصيبة، لكنه لا يوقظ من غاب، ولا يعيد الزمن إلى الوراء. وكأن الشاعر يقرر أن الإنسان يبكي لا لأنه ينتظر من الدموع معجزة، بل لأنه ينتظر منها أن تنقذه من الانهيار.
ومن غرائب النفس أن الدموع لا تعيد ميتًا، ولا تُرجع غائبًا، ولا تمحو ماضيًا، ولا توقف زمنًا، ومع ذلك يصر القلب على البكاء، كأن فيه يقينًا خفيًا بأن بعض الجراح لا تُعالج، وإنما تُخفَّف. فالروح، كما تحتاج إلى الهواء لتتنفس، تحتاج أحيانًا إلى دمعة لتبقى حيّة.
غير أن البكاء لا يشفي دائمًا؛ فهناك دموعٌ تغسل القلب، ودموعٌ تغرقه. الأولى تخرج ثم تترك في النفس سكينةً تشبه استسلام الأرض للمطر، والثانية تبقى حبيسةً بين الضلوع، حتى وإن سالت على الخدود، لأنها لم تجد معنًى تتكئ عليه، ولا رجاءً يرفعها، ولا يدًا تمسح عنها وحشتها.
لهذا كان أشد الناس وجعًا ليس من يبكي كثيرًا، بل من عجز عن البكاء. فهناك أحزانٌ إذا عظمت، سلبت الإنسان حتى دموعه، فيصير كالصحراء؛ لا لأنها لم تعرف المطر، بل لأنها نسيت طريق الغيم. وما أقسى قلبًا امتلأ بالألم حتى ضاقت عنه العين.
ولعل الله جعل الدموع رحمةً قبل أن يجعلها ضعفًا. فالأنبياء بكوا، والصالحون بكوا، والأمهات يبكين، والأطفال يبكون قبل أن يتعلموا الكلام، وكأن الفطرة تخبرنا أن أول وسائل النجاة ليست الصراخ، بل الانسكاب. فالدمعة اعترافٌ بأن الإنسان ليس حجرًا، وأن القوة ليست في أن تخفي انكسارك، بل في أن تعبره دون أن تفقد إنسانيتك.
ومع ذلك، يبقى في البكاء حدٌّ لا يستطيع تجاوزه. فهو يخفف الحمل، لكنه لا يملأ الفراغ. يهدئ النار، لكنه لا يعيد الرماد شجرًا. ولذلك فإن القلب، بعد آخر دمعة، يبحث عن شيءٍ أعظم من الدموع؛ يبحث عن معنى، وعن رضا، وعن يقينٍ بأن ما انكسر في الدنيا سيجبره الله يومًا.
وهنا تبدأ الشفاءات الحقيقية؛ حين تتحول الدمعة من احتجاج على القدر إلى مناجاةٍ للخالق، ومن سؤال: «لماذا حدث هذا؟» إلى همسٍ خافت: «اللهم أعني على ما لا أطيق». ففي تلك اللحظة لا تجف الدموع لأنها انتهت، بل لأنها وصلت.
إذن، هل البكاء يشفي؟
نعم... لكنه لا يشفي الجراح، بل يشفي القلوب من قسوتها. ولا يغيّر الماضي، بل يغيّر الطريقة التي نحمله بها. إنه لا يرد الأحبة، لكنه يمنعنا من أن نفقد أنفسنا بعدهم.
لقد صدق ابن الرومي؛ فالبكاء قد لا يُجدي في تغيير ما مضى، لكنه يجدي في إنقاذ ما بقي من الإنسان.
فالدموع ليست نهاية الحزن، وإنما آخر ما يفعله القلب قبل أن يتعلم الصبر.
لعلنا نظن أن الدموع تخرج من العين، والحقيقة أنها تخرج من أعماقٍ لا تعرفها العين. فما العين إلا النافذة، وأما البكاء فيبدأ من مكانٍ لا يراه الأطباء، ولا تصل إليه الأشعة، ولا تصفه العقاقير؛ يبدأ من ذلك الموضع الذي إذا انكسر سُمِّي قلبًا، وإذا تألم سُمِّي روحًا.
نحن لا نبكي لأن المصيبة كبيرة، بل لأن النفس أصغر من أن تحملها وحدها. ولو كانت الأحزان تُقاس بحجمها، لبكى الناس سواء؛ ولكنهم يبكون بمقدار ما أحبوا، وبمقدار ما وثقوا، وبمقدار ما كانوا يحلمون. فالدمعة ليست بنت الألم، وإنما بنت المحبة؛ إذ لا يبكي الإنسان على ما فقده فحسب، بل على ما كان يرجو أن يبقى.
وقد أدرك ابن الرومي هذه الحقيقة حين وقف على قبر ولده الأوسط، فلم يجد في اللغة ما يساوي لوعة الفقد، فقال:
بُكاؤُكما يَشفي وإن كان لا يُجدي
فجودا فقد أودى نظيرُكما عندي
في هذين الشطرين مفارقةٌ تهز القلب؛ فالبكاء عنده يشفي، لكنه لا يُجدي. يشفي الصدر من اختناقه، ولا يغيّر الواقع. يخفف وطأة المصيبة، لكنه لا يوقظ من غاب، ولا يعيد الزمن إلى الوراء. وكأن الشاعر يقرر أن الإنسان يبكي لا لأنه ينتظر من الدموع معجزة، بل لأنه ينتظر منها أن تنقذه من الانهيار.
ومن غرائب النفس أن الدموع لا تعيد ميتًا، ولا تُرجع غائبًا، ولا تمحو ماضيًا، ولا توقف زمنًا، ومع ذلك يصر القلب على البكاء، كأن فيه يقينًا خفيًا بأن بعض الجراح لا تُعالج، وإنما تُخفَّف. فالروح، كما تحتاج إلى الهواء لتتنفس، تحتاج أحيانًا إلى دمعة لتبقى حيّة.
غير أن البكاء لا يشفي دائمًا؛ فهناك دموعٌ تغسل القلب، ودموعٌ تغرقه. الأولى تخرج ثم تترك في النفس سكينةً تشبه استسلام الأرض للمطر، والثانية تبقى حبيسةً بين الضلوع، حتى وإن سالت على الخدود، لأنها لم تجد معنًى تتكئ عليه، ولا رجاءً يرفعها، ولا يدًا تمسح عنها وحشتها.
لهذا كان أشد الناس وجعًا ليس من يبكي كثيرًا، بل من عجز عن البكاء. فهناك أحزانٌ إذا عظمت، سلبت الإنسان حتى دموعه، فيصير كالصحراء؛ لا لأنها لم تعرف المطر، بل لأنها نسيت طريق الغيم. وما أقسى قلبًا امتلأ بالألم حتى ضاقت عنه العين.
ولعل الله جعل الدموع رحمةً قبل أن يجعلها ضعفًا. فالأنبياء بكوا، والصالحون بكوا، والأمهات يبكين، والأطفال يبكون قبل أن يتعلموا الكلام، وكأن الفطرة تخبرنا أن أول وسائل النجاة ليست الصراخ، بل الانسكاب. فالدمعة اعترافٌ بأن الإنسان ليس حجرًا، وأن القوة ليست في أن تخفي انكسارك، بل في أن تعبره دون أن تفقد إنسانيتك.
ومع ذلك، يبقى في البكاء حدٌّ لا يستطيع تجاوزه. فهو يخفف الحمل، لكنه لا يملأ الفراغ. يهدئ النار، لكنه لا يعيد الرماد شجرًا. ولذلك فإن القلب، بعد آخر دمعة، يبحث عن شيءٍ أعظم من الدموع؛ يبحث عن معنى، وعن رضا، وعن يقينٍ بأن ما انكسر في الدنيا سيجبره الله يومًا.
وهنا تبدأ الشفاءات الحقيقية؛ حين تتحول الدمعة من احتجاج على القدر إلى مناجاةٍ للخالق، ومن سؤال: «لماذا حدث هذا؟» إلى همسٍ خافت: «اللهم أعني على ما لا أطيق». ففي تلك اللحظة لا تجف الدموع لأنها انتهت، بل لأنها وصلت.
إذن، هل البكاء يشفي؟
نعم... لكنه لا يشفي الجراح، بل يشفي القلوب من قسوتها. ولا يغيّر الماضي، بل يغيّر الطريقة التي نحمله بها. إنه لا يرد الأحبة، لكنه يمنعنا من أن نفقد أنفسنا بعدهم.
لقد صدق ابن الرومي؛ فالبكاء قد لا يُجدي في تغيير ما مضى، لكنه يجدي في إنقاذ ما بقي من الإنسان.
فالدموع ليست نهاية الحزن، وإنما آخر ما يفعله القلب قبل أن يتعلم الصبر.