قد ترى شخصين يعملان في المكان نفسه، يحملان المؤهل نفسه، ويؤديان العمل ذاته، بعدد الساعات نفسها، ومع ذلك يخرج أحدهما في نهاية اليوم ممتلئًا بالحماس والأفكار والشغف، بينما يخرج الآخر محترقاً ومستنزفاً، ينتظر نهاية الدوام حتى قبل أن يبدأ، وإن استمتعا بإجازة فالأول تجده يفتقد العمل، ويعود بشوق، أمّا الآخر، فالليلة التي تسبق العودة للعمل، ما هي إلا كابوس يود الاستيقاظ منه، فهو يحمل هم رؤية مديره وأحياناً زملائه.
ما الذي صنع الفرق؟
ليس الراتب، ولا ضغط العمل، أو طبيعته، غالباً ما تكون إدارته، نحن نتحدث كثيرًا عن إنتاجية الموظف، والالتزام، والمبادرة، والإبداع، وتحمل المسؤولية، لكننا ننسى الحالة النفسية للإنسان.
حينما يكون تذكّر الخطأ أكثر من الإنجاز، والنقد أكثر من التقدير، والتخويف وسيلة للإدارة، والتحيز أسلوباً، يبدأ الموظف تدريجيًا في الانسحاب النفسي من عمله، قد تجده يحضر على الوقت، وينجز المطلوب منه، لكنه يتوقف عن تقديم كل الذي لا تفرضه اللوائح عليه، يفقد الشغف، على النقيض تماماً، هناك مدير، يثق بموظفيه، يمنحهم مساحة للمبادرة، ويقدّر جهودهم ليجعلهم أكثر استعدادًا لبذل جهد إضافي، الذي يستمع إليهم يشعر بأنهم جزء من المكان، لا مجرد أسماء في جدول المناوبات أو أرقام في قائمة الحضور والانصراف.
وهنا تكمن المفارقة، فبعض المديرين يعتقدون أنه بالضغط المستمر على الموظف يحصلون على إنتاجية أعلى، بينما هم في الحقيقة يحصلون على الحد الأدنى منها، الذي يحمي الموظف من المساءلة.
المدير الناجح ليس من يجعل الموظفين يعملون في حضوره، بل من يبدع موظفوه في غيابه كحضوره، ليس من يخشاه فريقه، بل من يشعر كل فرد في المنشأة أن نجاحه الشخصي جزء من نجاح المنشأة، فالإنسان حين يشعر بالأمان والتقدير لا يعمل لأنه مضطر لذلك، بل لأنه يريد أن ينجح المكان الذي ينتمي إليه، لذلك لا يمكن فصل إنتاجية الموظف عن جودة إدارته. لا يدخل الموظف إلى مكان عمله كل صباح حاملًا فقط حقيبته، بل يدخل ومعه شيء من ذاته، طموحه، ثقته، خبرته، رغبته في أن يكون ذا قيمة، وربما أحلام صغيرة لا يعرف عنها أحد. ثم تمر السنوات، ويخرج من المكان ذاته إنسانًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي دخله أول مرة. ماذا يحدث لهذه الصفات بعد سنوات تحت إدارة معينة؟ تزداد أم تنكمش؟ هل أصبح المتردد أكثر ثقة؟ هل المبدع ازداد إبداعاً؟ استفاد الصغير من الكبير؟ أم أصبح المبادر صامتاً، الواثق متردداً، والمبدع مؤدياً للحد الأدنى من المطلوب.
المدير لا يدير ساعات العمل والمهام، بل يدير، بشكل غير مباشر، مشاعر بشر يقضون جزءًا كبيرًا من يومهم وربما من عمرهم تحت إدارته، يستلم موظفًا متحمسًا، كثير الأفكار، يقترح، يجرب ويسأل، ثم يكتشف الموظف مع الوقت أن أفكاره لا تُسمع، أو أن المبادرة تجلب له مزيدًا من الأعباء، أو أن الخطأ في محاولة جديدة سيُذكر طويلًا، بينما النجاح لا يُنسب له، فيؤمن أن الصمت أكثر أماناً، فالإنسان يستطيع أن يعمل تحت الضغط، قد يحتمل كثرة المهام وساعات العمل الطويلة، لكن من الصعب أن يظل متوهجًا في مكان يشعر فيه أن جهده غير مرئي، أو أن صوته غير مسموع، أو أن العدالة فيه انتقائية.
القيادة الحقيقية لا تصنع قيوداً، إنما تمنح حرية العطاء، ومع ذلك، ليس من العدل أن نحمل المدير مسؤولية كل ضعف أو تقصير، فالموظف مسؤول عن مهنيته وتطوير نفسه، لكن الإنسان، مهما بلغت قوته، يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها ساعات طويلة كل يوم، فالبذرة الجيدة تحتاج مناخاً مناسباً لتثمر.
من الواقع، بعض الناس يدخلون حياتنا المهنية فيتركوننا أكثر ثقة بأنفسنا، وبعضهم يجعلوننا نتعلم كيف نخفي معرفتنا وأجمل ما فينا، وبين الاثنين، يقف المدير أمام مسؤولية أهم من إدارة العمل، مسؤولية ألا يخرج الإنسان من تحت إدارته أقل مما كان عليه حين دخل.
ما الذي صنع الفرق؟
ليس الراتب، ولا ضغط العمل، أو طبيعته، غالباً ما تكون إدارته، نحن نتحدث كثيرًا عن إنتاجية الموظف، والالتزام، والمبادرة، والإبداع، وتحمل المسؤولية، لكننا ننسى الحالة النفسية للإنسان.
حينما يكون تذكّر الخطأ أكثر من الإنجاز، والنقد أكثر من التقدير، والتخويف وسيلة للإدارة، والتحيز أسلوباً، يبدأ الموظف تدريجيًا في الانسحاب النفسي من عمله، قد تجده يحضر على الوقت، وينجز المطلوب منه، لكنه يتوقف عن تقديم كل الذي لا تفرضه اللوائح عليه، يفقد الشغف، على النقيض تماماً، هناك مدير، يثق بموظفيه، يمنحهم مساحة للمبادرة، ويقدّر جهودهم ليجعلهم أكثر استعدادًا لبذل جهد إضافي، الذي يستمع إليهم يشعر بأنهم جزء من المكان، لا مجرد أسماء في جدول المناوبات أو أرقام في قائمة الحضور والانصراف.
وهنا تكمن المفارقة، فبعض المديرين يعتقدون أنه بالضغط المستمر على الموظف يحصلون على إنتاجية أعلى، بينما هم في الحقيقة يحصلون على الحد الأدنى منها، الذي يحمي الموظف من المساءلة.
المدير الناجح ليس من يجعل الموظفين يعملون في حضوره، بل من يبدع موظفوه في غيابه كحضوره، ليس من يخشاه فريقه، بل من يشعر كل فرد في المنشأة أن نجاحه الشخصي جزء من نجاح المنشأة، فالإنسان حين يشعر بالأمان والتقدير لا يعمل لأنه مضطر لذلك، بل لأنه يريد أن ينجح المكان الذي ينتمي إليه، لذلك لا يمكن فصل إنتاجية الموظف عن جودة إدارته. لا يدخل الموظف إلى مكان عمله كل صباح حاملًا فقط حقيبته، بل يدخل ومعه شيء من ذاته، طموحه، ثقته، خبرته، رغبته في أن يكون ذا قيمة، وربما أحلام صغيرة لا يعرف عنها أحد. ثم تمر السنوات، ويخرج من المكان ذاته إنسانًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي دخله أول مرة. ماذا يحدث لهذه الصفات بعد سنوات تحت إدارة معينة؟ تزداد أم تنكمش؟ هل أصبح المتردد أكثر ثقة؟ هل المبدع ازداد إبداعاً؟ استفاد الصغير من الكبير؟ أم أصبح المبادر صامتاً، الواثق متردداً، والمبدع مؤدياً للحد الأدنى من المطلوب.
المدير لا يدير ساعات العمل والمهام، بل يدير، بشكل غير مباشر، مشاعر بشر يقضون جزءًا كبيرًا من يومهم وربما من عمرهم تحت إدارته، يستلم موظفًا متحمسًا، كثير الأفكار، يقترح، يجرب ويسأل، ثم يكتشف الموظف مع الوقت أن أفكاره لا تُسمع، أو أن المبادرة تجلب له مزيدًا من الأعباء، أو أن الخطأ في محاولة جديدة سيُذكر طويلًا، بينما النجاح لا يُنسب له، فيؤمن أن الصمت أكثر أماناً، فالإنسان يستطيع أن يعمل تحت الضغط، قد يحتمل كثرة المهام وساعات العمل الطويلة، لكن من الصعب أن يظل متوهجًا في مكان يشعر فيه أن جهده غير مرئي، أو أن صوته غير مسموع، أو أن العدالة فيه انتقائية.
القيادة الحقيقية لا تصنع قيوداً، إنما تمنح حرية العطاء، ومع ذلك، ليس من العدل أن نحمل المدير مسؤولية كل ضعف أو تقصير، فالموظف مسؤول عن مهنيته وتطوير نفسه، لكن الإنسان، مهما بلغت قوته، يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها ساعات طويلة كل يوم، فالبذرة الجيدة تحتاج مناخاً مناسباً لتثمر.
من الواقع، بعض الناس يدخلون حياتنا المهنية فيتركوننا أكثر ثقة بأنفسنا، وبعضهم يجعلوننا نتعلم كيف نخفي معرفتنا وأجمل ما فينا، وبين الاثنين، يقف المدير أمام مسؤولية أهم من إدارة العمل، مسؤولية ألا يخرج الإنسان من تحت إدارته أقل مما كان عليه حين دخل.