في الحكاية الصينية القديمة يقال إن رجلاً كان يركب قارباً في النهر. الماء هادئ، وهو مطمئن في سبيله. وفجأة، اصطدم به قارب آخر. اشتعل. غضب. صرخ في قائد القارب الآخر، فلما اقترب...تفاجأ. القارب كان فارغاً تماماً. لا أحد يقوده، مجرد خشب انجرف مع التيار ليصطدم به. عندها، وفي لحظة واحدة، اختفى غضبه تماماً. لم يعد هناك أحد ليغضب منه، فعدّل مسار قاربه قليلاً... ومضى. بهذه الرمزية الهادئة يبتدئ الوهم ويتكشف. قالها فيلسوف الوجودية سارتر يوماً وتركنا نتقاتل حولها: «الآخرون هم الجحيم».
كلمة موجعة، لكنها صادقة في نصفها. فنحن لا نحترق بالنار، نحن نحترق بالنظرات، بالأحكام، بالانتظار، بالتوقعات التي يبنيها الناس لنا وفوقنا. لم يعد الإنسان اليوم يخاف من ذئب في الغابة. صار يخاف من كلمة تُقال. من رسالة لم ترد. من نظرة شخص لم يبتسم. الجحيم لم يعد في الأسفل. الجحيم صار في الأفق... حيث الآخرون. وهنا تكمن المفارقة التي نعيشها كل يوم. نحن لا نتعامل مع الأحداث كما تقع، بل كما نفسها. رسالة لم يُرد عليها، تتحول في أذهاننا إلى تجاهل متعمد. نظرة عابرة، تصبح احتقاراً. كلمة مقتضبة، تصبح إهانة. تأخر بسيط، يصبح استخفافاً. وخطأ عابر، يتحول إلى مؤامرة صغيرة ضد الكرامة. ثم نبدأ المحاكمة. نحاكم المتهم. والغريب... أن المتهم قد لا يكون موجوداً أصلاً. كم مرة غضبنا من أشخاص لم يقصدوا إيذاءنا؟وكم مرة حملنا عتاباً في قلوبنا لشخصٍ كان غارقاً في معركة لا نعرف عنها شيئاً؟كم مرة فسرنا صمت أحدهم على أنه تكبر، بينما كان عاجزاً عن الكلام؟ وكم مرة اعتقدنا أن أحدهم تعمد جرحنا، بينما كل ما حدث أن قاربه هو أيضاً كان ينجرف؟ربما لهذا تتعب العلاقات. ليس لأن الناس سيئون إلى هذا الحد، بل لأننا بارعون في ملء الفراغ بأسوأ الاحتمالات. نحن نكره الفراغ، لذلك نملؤه بالتفسير. إذا لم نعرف لماذا تأخر، اخترعنا سبباً. وإذا لم نفهم صمته، فتشنا في نيته. وإذا لم نعرف لماذا تغيّر، افترضنا أنه تغيّر علينا.ثم نغضب من شيء اخترعناه نحن، ونحاسب إنساناً على نية لم يحملها. وهكذا يصبح الآخر جحيماً، لا لأنه جحيم، بل لأننا لم نعد نراه كما هو، بل كما رسمناه. لكن الحياة لا تحتاج دائماً أن نضع الآخرين في قفص الاتهام. فليس كل ما يؤلمنا مقصوداً. وليس كل ما يزعجنا موجهاً إلينا. وليس كل ما يحدث لنا رسالة من أحد. هناك أشياء تحدث لأن الحياة، ببساطة، حياة. تيارات تتحرك. قوارب تنحرف. أبواب تُغلق. مواعيد تتأخر. أشخاص ينسون. وأيام تأتي على غير ما نشتهي. وليس ضرورياً أن يكون هناك شرير في كل قصة. فإن أردت أن تخرج من الجحيم... تعلّم أن ترى القوارب الفارغة. لا تدقق. لا تحقق. لا تفتش عن النية في كل كلمة. عدّل مسارك قليلاً... وامضِ. فالنهر واسع جداً، وأنت لست محور اصطداماته. واهتدِ بهدي الآية: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .
كلمة موجعة، لكنها صادقة في نصفها. فنحن لا نحترق بالنار، نحن نحترق بالنظرات، بالأحكام، بالانتظار، بالتوقعات التي يبنيها الناس لنا وفوقنا. لم يعد الإنسان اليوم يخاف من ذئب في الغابة. صار يخاف من كلمة تُقال. من رسالة لم ترد. من نظرة شخص لم يبتسم. الجحيم لم يعد في الأسفل. الجحيم صار في الأفق... حيث الآخرون. وهنا تكمن المفارقة التي نعيشها كل يوم. نحن لا نتعامل مع الأحداث كما تقع، بل كما نفسها. رسالة لم يُرد عليها، تتحول في أذهاننا إلى تجاهل متعمد. نظرة عابرة، تصبح احتقاراً. كلمة مقتضبة، تصبح إهانة. تأخر بسيط، يصبح استخفافاً. وخطأ عابر، يتحول إلى مؤامرة صغيرة ضد الكرامة. ثم نبدأ المحاكمة. نحاكم المتهم. والغريب... أن المتهم قد لا يكون موجوداً أصلاً. كم مرة غضبنا من أشخاص لم يقصدوا إيذاءنا؟وكم مرة حملنا عتاباً في قلوبنا لشخصٍ كان غارقاً في معركة لا نعرف عنها شيئاً؟كم مرة فسرنا صمت أحدهم على أنه تكبر، بينما كان عاجزاً عن الكلام؟ وكم مرة اعتقدنا أن أحدهم تعمد جرحنا، بينما كل ما حدث أن قاربه هو أيضاً كان ينجرف؟ربما لهذا تتعب العلاقات. ليس لأن الناس سيئون إلى هذا الحد، بل لأننا بارعون في ملء الفراغ بأسوأ الاحتمالات. نحن نكره الفراغ، لذلك نملؤه بالتفسير. إذا لم نعرف لماذا تأخر، اخترعنا سبباً. وإذا لم نفهم صمته، فتشنا في نيته. وإذا لم نعرف لماذا تغيّر، افترضنا أنه تغيّر علينا.ثم نغضب من شيء اخترعناه نحن، ونحاسب إنساناً على نية لم يحملها. وهكذا يصبح الآخر جحيماً، لا لأنه جحيم، بل لأننا لم نعد نراه كما هو، بل كما رسمناه. لكن الحياة لا تحتاج دائماً أن نضع الآخرين في قفص الاتهام. فليس كل ما يؤلمنا مقصوداً. وليس كل ما يزعجنا موجهاً إلينا. وليس كل ما يحدث لنا رسالة من أحد. هناك أشياء تحدث لأن الحياة، ببساطة، حياة. تيارات تتحرك. قوارب تنحرف. أبواب تُغلق. مواعيد تتأخر. أشخاص ينسون. وأيام تأتي على غير ما نشتهي. وليس ضرورياً أن يكون هناك شرير في كل قصة. فإن أردت أن تخرج من الجحيم... تعلّم أن ترى القوارب الفارغة. لا تدقق. لا تحقق. لا تفتش عن النية في كل كلمة. عدّل مسارك قليلاً... وامضِ. فالنهر واسع جداً، وأنت لست محور اصطداماته. واهتدِ بهدي الآية: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .