قد يكون في البيت موتٌ لا تُقام له جنازة؛ تموت المودّة بين اثنين، ثم يظلُّ شبحُها مطوفًا في الدار، يُسمَع في نبرة، ويُرى في إشارة، وتتداوله المجالس كلمةً بعد كلمة؛ حتى ينشأ الصغير وفي قلبه خصومة تامّة، لم يشهد مولدها، ولم يعرف أسبابها، ولم يكن له فيها من ذنبٍ إلا أنه وُلد في بيتٍ لم يُحسن الكبار فيه دفن أوجاعهم. وتلك من أخبث حِيَل الخصومة: أنها إذا ضاق بها عمر أصحابها، التمست لنفسها أعمارًا في أبنائهم؛ فيكون للأحقاد من التناسل ما للأنساب، ويرث الحفيد جفاء الجد كما يرث اسمه وملامحه، ويُبغض من ذوي رحمه قومًا لم ينله منهم أذى، وإنما ناله عنهم حديث؛ مع أن الله جلّ وعلا أقام ميزان العدل في كلمةٍ تقطع طريق الموروث من الأوزار والعداوات: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾. فكيف نُحمِّل صغيرًا وزر خصومة لم يصنعها، ونضع في قلبه تبعة موقفٍ لم يشهده؟
فلا تجعلوا ذاكرة أبنائكم ديوانًا لمظالمكم، ولا براءة صدورهم ساحةً تُستأنف فيها معارككم. ما ذنب الغصن أن تُعلِقوا عليه شوك الشجرة القديمة؟ وما ذنب القلب الذي أقبل على الدنيا أبيضَ أن تخطُّوا فيه بسواد غضبكم أسماء أعمامه وأخواله وعماته وخالاته، حتى يعرفهم من خلال جراحكم قبل أن يعرفهم من خلال أرحامهم؟
إنَّ للصغير حقًّا في قرابةٍ لم تلوّثها روايات الكبار، وللابن حقًّا أن يزن أقاربه بما يرى منهم، لا بما رأيتم أنتم؛ فلا تُعيروه عين غضبكم، ولا تُسكنوا قلبه في ماضيكم، ولا تجعلوا من مرارة الأمس قَدَرًا مكتوبًا على غده.
دعوهم يعرفون قرابتهم كما جعلها الله: رحمًا تُوصَل، لا خصومةً تُورَث؛ وقد قرن سبحانه تقواه بصيانة الأرحام فقال: ﴿واتقوا اللَّه الذي تساءلون به والأرحام﴾، وحذر من القطيعة تحذيرًا تهتز له القلوب: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم اللَّه﴾.
دعوهم يلقون ذويهم وليس بين العين والقلب ترجمان من غضبكم. فلعلَّ في سلام طفلٍ ما تعجز عنه حكمة الرجال، وفي عناق حفيدين جبرًا لجفاءٍ أكل من أعمار جدَّيهما سنين. وكم رأينا من أبناء العمومة والخؤولة، ومن الأحفاد والحفيدات، مَن مرُّوا على أنقاض خصومات أهليهم فلم يسكنوها، وعرفوا أخبار القطيعة فلم يتخذوها عقيدة، وأبوا أن يكونوا حَرَسًا على قبور أحقادٍ مات أصحابها؛ فتلاقوا حيث افترق الآباء، وتصافحوا حيث تقاطع الأجداد، وردُّوا إلى الرحم ماءً جفَّ طويلًا في عروقها.
وذلك هو الوصل الذي يسمو بصاحبه فوق حسابات الإساءة والمكافأة؛ فقد قال النبي ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».
فالرحم ليست عقدًا ينتهي إذا أخلَّ أحد طرفيه، ولا بابًا يُغلق لأن غيرنا أغلق بابه؛ وإنما هي حقٌّ عظَّمه الله، وعبادةٌ يُبتغى بها وجهه.
وما أدراكم لعلَّ الله قد ادَّخر في الجيل الآتي صلحًا عجز عنه الجيل الماضي؛ فيُخرج من أصلاب المتخاصمين قومًا متحابين، ويجعل من الأحفاد جسرًا فوق هوّةٍ حفرها الأجداد، ويكتب بصفاء قلوبهم خاتمة أجمل لحكاية أساء الكبار بعض فصولها. وقد علَّمنا القرآن أن دفع السيئة بالحسنة قادرٌ ـ بإذن الله ـ على قلب مواقع القلوب: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾.
فيا عجبًا لمن يضيق صدره بخصومته، ثم يوسِّع لها صدور أبنائه! ويشقى بذكرى موقفٍ، ثم يأبى إلا أن يجعل لشقائه أعمارًا أخرى! حسبُ العداوة قلبٌ واحد، وحسبُ الجفاء جيلٌ واحد؛ فلا تمنحوا البغضاء أعمارًا ليست لها، ولا تجعلوا للقطيعة نسلًا. إن لم تملكوا الصفح، فاملكوا الصمت؛ وإن عجزتم عن الوصل، فلا تُعلِّموا القطيعة؛ وإن بقي في الصدر جرحٌ لم تُبرئه الأيام، فلا تجعلوا من نزفه حبرًا تكتبون به تاريخ الأسرة لأبنائكم. فما كلُّ ما عرفناه ينبغي أن يُروى، وما كلُّ ما ورثناه يليق أن نورِّثه. وإن استطعتم أن تعفوا فذلك أكرم للنفس وأبقى للأثر؛ فقد مدح الله ﴿الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾، وقال النبي ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا». فما خسر من أغلق باب الثأر، ولا ذلَّ من اختار العفو؛ بل ربما كان عفوه ميراثًا من النبل تتوارثه ذريته كما كانت الخصومة ستتوارث لو أبقاها.
فإن عجزتم أن تُعيدوا للمودّة ما سلبته الخصومة، فلا تسلبوا أبناءكم ما أبقاه الله لهم من الرحم؛ وإن ضاقت صدوركم عن الصفح، فلا تجعلوا صدورهم أضيق؛ وإن كان في ماضيكم جرحٌ لم تُحسن الأيام إبراءه، فلا تشقّوا به جراحًا في مستقبلٍ لم يبدأ بعد.
أميتوا أحقادكم قبل أن تلد، واقطعوا نسل العداوة عندكم؛ فإنَّ من أفجع ما يخلِّفه المرء وراءه أن يُوارى جسدُه التراب، وتبقى خصومتُه تمشي على الأرض في صدور أبنائه.
وكونوا أنتم الجيل الذي إذا سأل الأحفاد يومًا: أين انتهت تلك العداوة؟
قيل لهم: انتهت عند قومٍ كانوا أكرم من أن يُورِّثوا أبناءهم أوجاعهم، وأشرف من أن يجعلوا من أرحامهم مقابر لأحقادهم؛ قوم أدركوا أن صلة الرحم ليست ترفًا حين تصفو النفوس، بل دينٌ وحق، وأن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». فبعض الناس يورِّث أبناءه مالًا، وبعضهم يورِّثهم اسمًا؛ وأعظمهم مروءةً مَن يرحل، وقد أغلق وراءه آخرَ بابٍ كانت تستطيع الكراهية أن تعبر منه إلى ذريته.
فلا تورِّثوا أبناءكم خصوماتكم؛ ورِّثوهم قلبًا سليمًا، ورحمًا موصولة، وذكرًا جميلًا، ودعوا الأحقاد تموت في أعمار أصحابها، ولا تمنحوها من أعمار أبنائكم حياةً جديدة.
فلا تجعلوا ذاكرة أبنائكم ديوانًا لمظالمكم، ولا براءة صدورهم ساحةً تُستأنف فيها معارككم. ما ذنب الغصن أن تُعلِقوا عليه شوك الشجرة القديمة؟ وما ذنب القلب الذي أقبل على الدنيا أبيضَ أن تخطُّوا فيه بسواد غضبكم أسماء أعمامه وأخواله وعماته وخالاته، حتى يعرفهم من خلال جراحكم قبل أن يعرفهم من خلال أرحامهم؟
إنَّ للصغير حقًّا في قرابةٍ لم تلوّثها روايات الكبار، وللابن حقًّا أن يزن أقاربه بما يرى منهم، لا بما رأيتم أنتم؛ فلا تُعيروه عين غضبكم، ولا تُسكنوا قلبه في ماضيكم، ولا تجعلوا من مرارة الأمس قَدَرًا مكتوبًا على غده.
دعوهم يعرفون قرابتهم كما جعلها الله: رحمًا تُوصَل، لا خصومةً تُورَث؛ وقد قرن سبحانه تقواه بصيانة الأرحام فقال: ﴿واتقوا اللَّه الذي تساءلون به والأرحام﴾، وحذر من القطيعة تحذيرًا تهتز له القلوب: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم اللَّه﴾.
دعوهم يلقون ذويهم وليس بين العين والقلب ترجمان من غضبكم. فلعلَّ في سلام طفلٍ ما تعجز عنه حكمة الرجال، وفي عناق حفيدين جبرًا لجفاءٍ أكل من أعمار جدَّيهما سنين. وكم رأينا من أبناء العمومة والخؤولة، ومن الأحفاد والحفيدات، مَن مرُّوا على أنقاض خصومات أهليهم فلم يسكنوها، وعرفوا أخبار القطيعة فلم يتخذوها عقيدة، وأبوا أن يكونوا حَرَسًا على قبور أحقادٍ مات أصحابها؛ فتلاقوا حيث افترق الآباء، وتصافحوا حيث تقاطع الأجداد، وردُّوا إلى الرحم ماءً جفَّ طويلًا في عروقها.
وذلك هو الوصل الذي يسمو بصاحبه فوق حسابات الإساءة والمكافأة؛ فقد قال النبي ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها».
فالرحم ليست عقدًا ينتهي إذا أخلَّ أحد طرفيه، ولا بابًا يُغلق لأن غيرنا أغلق بابه؛ وإنما هي حقٌّ عظَّمه الله، وعبادةٌ يُبتغى بها وجهه.
وما أدراكم لعلَّ الله قد ادَّخر في الجيل الآتي صلحًا عجز عنه الجيل الماضي؛ فيُخرج من أصلاب المتخاصمين قومًا متحابين، ويجعل من الأحفاد جسرًا فوق هوّةٍ حفرها الأجداد، ويكتب بصفاء قلوبهم خاتمة أجمل لحكاية أساء الكبار بعض فصولها. وقد علَّمنا القرآن أن دفع السيئة بالحسنة قادرٌ ـ بإذن الله ـ على قلب مواقع القلوب: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم﴾.
فيا عجبًا لمن يضيق صدره بخصومته، ثم يوسِّع لها صدور أبنائه! ويشقى بذكرى موقفٍ، ثم يأبى إلا أن يجعل لشقائه أعمارًا أخرى! حسبُ العداوة قلبٌ واحد، وحسبُ الجفاء جيلٌ واحد؛ فلا تمنحوا البغضاء أعمارًا ليست لها، ولا تجعلوا للقطيعة نسلًا. إن لم تملكوا الصفح، فاملكوا الصمت؛ وإن عجزتم عن الوصل، فلا تُعلِّموا القطيعة؛ وإن بقي في الصدر جرحٌ لم تُبرئه الأيام، فلا تجعلوا من نزفه حبرًا تكتبون به تاريخ الأسرة لأبنائكم. فما كلُّ ما عرفناه ينبغي أن يُروى، وما كلُّ ما ورثناه يليق أن نورِّثه. وإن استطعتم أن تعفوا فذلك أكرم للنفس وأبقى للأثر؛ فقد مدح الله ﴿الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس﴾، وقال النبي ﷺ: «وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا». فما خسر من أغلق باب الثأر، ولا ذلَّ من اختار العفو؛ بل ربما كان عفوه ميراثًا من النبل تتوارثه ذريته كما كانت الخصومة ستتوارث لو أبقاها.
فإن عجزتم أن تُعيدوا للمودّة ما سلبته الخصومة، فلا تسلبوا أبناءكم ما أبقاه الله لهم من الرحم؛ وإن ضاقت صدوركم عن الصفح، فلا تجعلوا صدورهم أضيق؛ وإن كان في ماضيكم جرحٌ لم تُحسن الأيام إبراءه، فلا تشقّوا به جراحًا في مستقبلٍ لم يبدأ بعد.
أميتوا أحقادكم قبل أن تلد، واقطعوا نسل العداوة عندكم؛ فإنَّ من أفجع ما يخلِّفه المرء وراءه أن يُوارى جسدُه التراب، وتبقى خصومتُه تمشي على الأرض في صدور أبنائه.
وكونوا أنتم الجيل الذي إذا سأل الأحفاد يومًا: أين انتهت تلك العداوة؟
قيل لهم: انتهت عند قومٍ كانوا أكرم من أن يُورِّثوا أبناءهم أوجاعهم، وأشرف من أن يجعلوا من أرحامهم مقابر لأحقادهم؛ قوم أدركوا أن صلة الرحم ليست ترفًا حين تصفو النفوس، بل دينٌ وحق، وأن رسول الله ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه». فبعض الناس يورِّث أبناءه مالًا، وبعضهم يورِّثهم اسمًا؛ وأعظمهم مروءةً مَن يرحل، وقد أغلق وراءه آخرَ بابٍ كانت تستطيع الكراهية أن تعبر منه إلى ذريته.
فلا تورِّثوا أبناءكم خصوماتكم؛ ورِّثوهم قلبًا سليمًا، ورحمًا موصولة، وذكرًا جميلًا، ودعوا الأحقاد تموت في أعمار أصحابها، ولا تمنحوها من أعمار أبنائكم حياةً جديدة.