شريف بن محمد الأتربي

ليس من عادتي الرد أو التعليق على ما يدور في ساحات وسائل التواصل الاجتماعي، وبخاصة عندما يتجاوز الخطوط الحمراء ويفقد قيمته الموضوعية، ويتحول إلى مهاترات وهراء لا فائدة منه، وهذا ما حدث خلال الأيام الماضية، حيث كانت وسائل التواصل الاجتماعي تعج بالعديد من التغريدات والمنشورات التي تتناول خدمات وزارة التعليم، وتطرح ملاحظات وشكاوى تتعلق ببعض الإجراءات والخدمات المقدمة للطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.

ومن حيث المبدأ، فإن هذا الحراك المجتمعي ليس أمراً سلبياً، بل يمكن أن يكون مؤشراً صحياً على تفاعل المجتمع مع قضايا التعليم، وعلى وجود مواطن قصور تحتاج إلى أن تراها الأجهزة المعنية، وتدرس أسبابها، وتعمل على معالجتها.

فالوزارة التي تقدم خدماتها لملايين الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور لا يمكن أن تكون بمنأى عن الملاحظات، ولا يمكن أن تكون جميع خدماتها بمنأى عن الخطأ أو التأخير أو الحاجة إلى التطوير. بل إن المؤسسات الكبيرة تقاس قدرتها الحقيقية ليس بعدم وجود المشكلات، وإنما بقدرتها على اكتشافها والاستجابة لها وتحويلها إلى فرص للتحسين.

لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل النقد من الخدمة إلى الشخص، ومن الملاحظة إلى الإساءة، ومن المطالبة بالتصحيح إلى محاولة النيل من الوزارة أو من مقام الوزير.

وهنا يصبح من الضروري أن نفرق بين أمرين لا ينبغي الخلط بينهما: حق المجتمع في النقد، وحق الدولة ومؤسساتها في أن يكون هذا النقد مسؤولاً ومحترماً.

التعليم ليس ملفاً شخصياً، وزارة التعليم ليست مؤسسة صغيرة يمكن اختزالها في شخص الوزير، كما أن وزير التعليم ليس مسؤولاً عن كل تفصيل يحدث داخل منظومة بهذا الحجم والتعقيد.

إنها واحدة من أكثر الوزارات ارتباطاً بحياة المجتمع ومستقبله؛ فهي تتعامل مع ملايين الطلاب، ومئات الآلاف من المعلمين والإداريين، وآلاف المدارس والمنشآت، ومناهج ومقررات، وأنظمة رقمية، وخدمات تعليمية، وبرامج تطوير، وشراكات، ومتطلبات سوق عمل يتغير باستمرار.

ولهذا فإن إصلاح التعليم لا يمكن أن يحدث بقرار واحد، ولا في بضعة أشهر، ولا بمجرد تغيير إجراء هنا أو إطلاق منصة هناك.

التعليم منظومة تراكمية.

ما يتم بناؤه اليوم قد لا تظهر نتائجه كاملة غداً، وبعض الإصلاحات تحتاج إلى سنوات حتى تصل آثارها إلى الطالب داخل الفصل، ثم إلى الأسرة، ثم إلى المجتمع، ثم إلى سوق العمل.

ومن هنا فإن تقييم أي تجربة تعليمية يحتاج إلى قدر من الصبر، وإلى قراءة المؤشرات والنتائج، وليس فقط متابعة ما يظهر على الشاشة في لحظة معينة.

من السهل جداً أن نجلس خلف شاشاتنا ونختزل مشكلة تعليمية معقدة في سؤال بسيط: لماذا لم تُحل المشكلة؟ وزير التعليم، مهما كانت صلاحياته، لا يملك عصا سحرية يستطيع بها تغيير كل شيء في وقت واحد. أمامه منظومة ضخمة، وتحديات متراكمة، وأنظمة وإجراءات، واحتياجات متفاوتة بين المناطق والمدارس، وموروث إداري وتعليمي يحتاج إلى التطوير، فضلاً عن ضرورة تحقيق التوازن بين سرعة التغيير واستدامته.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نرى الجهد المبذول في الاتجاه الصحيح، وأن ندرك أن المسؤولية ليست مجرد إصدار القرارات، وإنما إدارة عملية تغيير كبيرة تحتاج إلى وقت حتى تستقر وتنتج أثرها.

والهدف في النهاية ليس تحسين صورة الوزارة، ولا الدفاع عن شخص بعينه، وإنما تحقيق رفاه تعليمي حقيقي للطالب والمعلم، ومساندة الأسرة، وإعداد جيل قادر على المنافسة، ورفد سوق العمل بالكفاءات التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني.

هذه أهداف أكبر بكثير من أن تختزل في تغريدة غاضبة أو مشكلة فردية.

النقد مطلوب.. بل ضروري ليس المطلوب أن نصمت عن المشكلات.

وليس من الحكمة أن نعتبر كل نقد هجوماً، أو أن نتعامل مع كل شكوى باعتبارها إساءة. على العكس تماماً.

قد تكون التغريدة التي تكشف خللاً في خدمة تعليمية أهم من عشرات التقارير الداخلية، وقد تكون ملاحظة ولي أمر سبباً في اكتشاف مشكلة لم تصل إلى المسؤول المختص، وقد يكون اعتراض معلم بداية لمراجعة إجراء يحتاج بالفعل إلى إعادة النظر.

هذه هي القيمة الحقيقية لوسائل التواصل الاجتماعي عندما تتحول إلى قناة للمشاركة المجتمعية.

لكن النقد المؤثر هو الذي يقول: هذه هي المشكلة، وهذه آثارها، وهذه الحالات التي تضررت منها، وهذا ما نأمل أن يتم تصحيحه.

أما أن يتحول الأمر إلى تطاول أو تشهير أو تجريح أو اتهامات شخصية، فهنا نفقد جوهر القضية.

لأن الشخصنة لا تصلح الخدمة، والإساءة لا تعالج الخلل، والتشهير لا يبني تعليماً أفضل.

لا تجعلوا من الشكوى خصومة هناك فرق كبير بين أن تقول: «هذه الخدمة لم تحقق المستوى المأمول ونحتاج إلى تحسينها».

وبين أن يتحول الخطاب إلى إساءة للمسؤول أو اتهام للنوايا أو محاولة للنيل من مكانة الوزارة.

الأولى ممارسة طبيعية في أي مجتمع يريد تحسين مؤسساته.

أما الثانية فهي نقل للنقاش من مساحة الإصلاح إلى مساحة الخصومة.

وعندما تصبح الخصومة هي الهدف، تضيع المشكلة الأصلية.

فقد بدأ الأمر بشكوى تتعلق بخدمة طالب، وانتهى بنقاش حول شخص الوزير.

بدأت المشكلة بسؤال عن إجراء إداري، وانتهت بحملة للتشكيك في الوزارة.

بدأت المطالبة بتطوير خدمة، وانتهى الأمر بتبادل الاتهامات.

وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل نحن فعلاً نريد إصلاح التعليم، أم نريد فقط أن ننتصر في معركة على وسائل التواصل الاجتماعي؟ الدولة ومؤسساتها فوق الأشخاص من حق أي مواطن أن ينتقد أداء أي جهة حكومية، وأن يطالب بتحسين الخدمات، وأن يرفع صوته عندما يشعر بأن حقاً من حقوقه لم يحصل عليه.

لكن هناك فارقاً مهماً بين انتقاد الأداء وبين استهداف المؤسسة أو المسؤول شخصياً.

وجود مشكلة في خدمة لا يعني أن المؤسسة بأكملها فاشلة. هذه التفرقة مهمة جداً؛ لأنها تحافظ على حق المجتمع في المساءلة، وفي الوقت نفسه تحافظ على احترام مؤسسات الدولة وهيبتها.

أما تحويل كل مشكلة إلى مناسبة للنيل من المسؤولين، أو تفسير كل تأخير باعتباره مؤامرة أو فشلاً متعمداً، فهو لا يخدم الوطن ولا التعليم.

نحتاج إلى ثقافة جديدة للنقد ربما حان الوقت لأن ننتقل من ثقافة «من المسؤول؟» إلى ثقافة «كيف نعالج المشكلة؟» ومن ثقافة البحث عن المخطئ إلى ثقافة البحث عن الحل. ومن السؤال: لماذا لم تفعل الوزارة؟ إلى السؤال: ما الذي يمكن أن نفعله جميعاً لتحسين هذه الخدمة؟ فالتعليم ليس مسؤولية الوزارة وحدها.

الوزارة مسؤولة عن السياسات والتنظيم والتطوير، والمدرسة مسؤولة عن التنفيذ، والمعلم شريك أساسي في صناعة التعلم، والأسرة شريك في بناء شخصية الطالب، والطالب نفسه طرف رئيسي في العملية التعليمية، والمجتمع والإعلام ووسائل التواصل شركاء في تشكيل الوعي حول التعليم.

وعندما يعمل هؤلاء جميعاً في اتجاه واحد، تصبح المشكلة فرصة للتحسين، لا مادة للصراع.

أعطوا الإصلاح فرصته كل تغيير حقيقي يحتاج إلى وقت.

وقد لا تكون نتائج الإصلاحات التعليمية واضحة في يومها الأول، وربما تحتاج إلى تعديل وتطوير أثناء التنفيذ. وهذا أمر طبيعي في منظومات بهذا الحجم.

لكن هذا لا يعني إعفاء الوزارة من المساءلة، بل يعني أن تكون المساءلة موضوعية، مستندة إلى بيانات، ومبنية على نتائج، وتفرق بين الخلل العابر والخلل الهيكلي.

وفي المقابل، فإن الوزارة مطالبة بأن تستمع أكثر، وأن تتفاعل أسرع، وأن تجعل قنوات الشكاوى والملاحظات أكثر فاعلية، وأن توضح للمجتمع ما الذي تم إنجازه، وما الذي لا يزال قيد المعالجة، ولماذا تحتاج بعض الملفات إلى وقت أطول.

فكلما كانت المعلومات واضحة، تراجعت مساحة الإشاعات، وأصبح النقاش أكثر نضجاً.

نحتاج إلى مساءلة، لكننا نحتاج إلى مساءلة تحترم الدولة ومؤسساتها.

أما أن تتحول كل مشكلة خدمية إلى مناسبة للنيل من الوزير أو الوزارة، فهذا لا يخدم الطالب، ولا المعلم، ولا ولي الأمر، ولا التعليم، ولا الوطن.

فلنختلف كما نشاء في القرارات والسياسات، ولنسأل ونحاسب ونقترح وننتقد، لكن لنبقِ أعيننا على الهدف الأكبر: إصلاح التعليم، لا هدم الثقة فيه.

فالوزير قد يتغير، والإجراءات قد تتغير، لكن التعليم يبقى قضية وطن، وأبناؤنا هم الذين سيدفعون ثمن نجاحه أو فشله.

ومن هنا، فإن أرقى أشكال النقد ليس أن نرفع صوتنا أكثر، وإنما أن نجعل صوتنا أكثر وعياً، وأكثر إنصافاً، وأكثر قدرة على تقديم الحل.