أنغام السقاف

أنغام السقاف

في صباحٍ عادي، تفتح هاتفك لتجد قضية ما تتصدر المشهد.

تقرأ التعليق الأول، ثم العاشر. تنتقل إلى منصة أخرى فتجد النبرة نفسها، والموقف نفسه، وربما العبارات نفسها مع تغييرات طفيفة تحفظ لأصحابها حق الادعاء بأنهم توصلوا إليها بأنفسهم.

بعد دقائق، تكوّن رأيك. أو هكذا تظن..

السؤال المزعج قليلًا هو: هل كوّنت رأيك فعلًا... أم وصل إليك جاهزًا مع خدمة التوصيل؟ مرحبًا بك في واحدة من أكثر ظواهر عصر المنصات إثارة: التفكير الجمعي المشكلة ليست في أن تتفق مع الآخرين، فقد تكون الأغلبية محقة، بل تبدأ حين تصبح كثرة القائلين بالفكرة بديلًا عن الدليل عليها.

الجميع يقول ذلك! من أكثر الحجج شعبية في زمن المنصات: «الكل يتكلم عن الموضوع».

حسنًا... وماذا بعد؟ منذ متى أصبح عدد المتحدثين وحدة قياس للحقيقة؟ مليون مشاهدة، 100 ألف إعجاب، آلاف المشاركات، ووسم يتصدر قائمة الأكثر تداولًا... أرقام تمنح الأفكار أحيانًا هيبة شبه رسمية.

وأمامها قد يشعر العقل بشيء من الحرج: معقول كل هؤلاء مخطئون وأنا وحدي الذي لم أفهم؟ الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي؛ يتأثر بمحيطه، ويبحث عن الانتماء، وقد يتردد في الوقوف وحيدًا في الجهة الأخرى. وهذا طبيعي. غير الطبيعي أن نسلّم للجماعة مفتاح التفكير أيضًا.

وهنا يظهر ما يُوصف شائعًا بـ"ثقافة القطيع"؛ حين يتنازل الفرد عن فحص الفكرة لمجرد أن الجميع يتبناها، ويتبع الرأي السائد دون تمحيص كافٍ.

والمصطلح جذاب ولاذع... وربما لهذا أصبح يُستخدم أحيانًا بكسل. يكفي أن يخالفك عشرة أشخاص حتى تعلن أنهم «قطيع»، بينما تحتفظ لنفسك- بطبيعة الحال- بدور المفكر الحر الوحيد الذي نجا من العدوى! لكن نقد التفكير الجمعي لا يعني أن كل اتفاق مع الجماعة تبعية، كما أن الاستقلال الفكري لا يعني مخالفتها لمجرد المخالفة. السؤال هو: كيف وصلت إلى موقفك؟ هل فحصت الفكرة واقتنعت بأدلتها؟ أم إن كثرة الموافقين اختصرت عليك مهمة التفكير؟ فقد تكون الأغلبية محقة لأن أدلتها قوية، وقد يكون المخالف مخطئًا تمامًا لكنه مستمتع جدًا بصورة «المتمرّد الذي لا يفهمه أحد».

المشكلة ليست أن تفكر مثل الجماعة... المشكلة أن تترك الجماعة تفكر نيابة عنك.

لماذا نصمت ونحن غير مقتنعين؟ قد تتبنى مجموعة من حولك رأيًا لا يقنعك، ومع ذلك تصمت؛ لا لأنك اقتنعت، بل لأنك لا ترغب في التعرض للسخرية أو أن تصبح فجأة «ذلك الشخص» الذي قرر إفساد الإجماع الجميل.

هنا تساعدنا نظرية «دوامة الصمت» على فهم جانب مثير من السلوك الإنساني؛ فنحن نراقب مناخ الرأي من حولنا: ما المقبول؟ وما الرأي الذي يبدو غالبًا؟ حين يعتقد الإنسان أن رأيه يحظى بالتأييد، يكون أكثر استعدادًا لإعلانه، وحين يظن أنه في الأقلية، قد يفضل الصمت خشية العزلة أو الرفض الاجتماعي.

والمفارقة أن الصمت نفسه قد يصنع صورة مضللة عن حجم الإجماع: يصمت المختلفون لأنهم يعتقدون أنهم أقلية، فيعلو صوت الرأي الآخر، فيبدو أكثر هيمنة، فيصمت آخرون... وهكذا تبدأ الدوامة.

وعلى المنصات، قد تزيد الإعجابات والمشاركات والترند وكثافة التعليقات شعورنا بأننا أمام «الرأي الغالب»، مع أنها ليست بالضرورة قياسًا دقيقًا لما يفكر فيه الجميع.

ثم ننظر إلى المشهد ونقول: «واضح أن الجميع متفقون». مع أن جزءًا من «الجميع» ربما كان صامتًا! ثم جاءت الخوارزمية... لتساعدنا طبعًا! قديمًا كان ضغط الجماعة يحتاج إلى جماعة حقيقية حولك، اليوم يكفي هاتف.

تتفاعل مع نوع معين من المحتوى، فتتعلم المنصة شيئًا بسيطًا عنك: هذا يعجبه.. أعطوه المزيد.

فتمنحك المزيد... ثم المزيد. وبعد فترة تجد عشرات الأشخاص يقولون أشياء تشبه ما تؤمن به، فتصل إلى استنتاج مريح: «إذن الناس يفكرون مثلي».

ليس بالضرورة يا عزيزي.

قد تكون الخوارزمية فقط قد أحسنت ترتيب الضيوف حول مائدتك.

فما يظهر أمامنا ليس بالضرورة صورة كاملة للمجتمع أو للرأي العام، وهنا تأتي أهمية فهم فقاعات الترشيح ودور أنظمة التوصية في تشكيل ما نراه.

وللتكرار لعبته أيضًا. حين نسمع المعلومة مرة بعد مرة، تصبح مألوفة، ومع الوقت قد تختلط في أذهاننا ألفة المعلومة بمصداقيتها.

تقرأ ادعاء اليوم، تسمعه غدًا في مقطع، وتجده بعد يومين في حساب آخر، وبعد أسبوع تقول: «الموضوع معروف». معروف لدى من؟ ومن أين بدأ؟ وهل تحقق منه أحد أصلًا؟ لقد حصلت المعلومة على ترقية اجتماعية: من «ادعاء» إلى «معلومة متداولة»، ثم إلى «معروفة»، وربما بعدها إلى «حقيقة لا تحتاج إلى نقاش».

التكرار يستطيع أن يصنع الألفة... لكنه لا يستطيع أن يصنع الحقيقة.

ثم يأتي الترند، بمجرد أن تتصدر قضية ما، نشعر بأن علينا تكوين موقف منها فورًا، ليس غدًا ولا بعد القراءة. الآن. فالترند، كما يبدو، كائن سريع الغضب؛ إن لم تلحق به خلال ساعات فقد يرحل دون أن يسمع رأيك الذي كان العالم ينتظره! فنقرأ عنوانًا، ونشاهد مقطعًا مبتورًا، ثم ندخل بثقة إلى محكمة الرأي العام الرقمية، لكن الأكثر تداولًا لا يعني الأكثر أهمية، والأكثر انتشارًا لا يعني الأكثر صحة.

الترند يخبرنا بما يشغل الناس... لا بما ينبغي أن نصدقه.

هل هذه قناعتي فعلًا؟ الوعي الإعلامي لا يعني أن نشك في كل شيء، ولا أن نخالف الرأي السائد لمجرد إثبات استقلالنا.

بل أن نسأل: من قال؟ وما المصدر؟ وما السياق؟ وهل رأيت القصة كاملة؟ وهل تغير موقفي لأن الدليل تغير... أم لأن المزاج العام تغير؟ ثم السؤال الأصعب: هل هذه قناعتي فعلًا؟ فبعض آرائنا اخترناها، وبعضها اكتسبناه من محيطنا، وبعضها كرره المحتوى حتى أصبح مألوفًا، وبعضها ربما ساعدت الخوارزمية في تثبيته لأنها ظلت تعرض علينا العالم من النافذة نفسها.

العقل، مهما بلغ من الذكاء، ليس محصنًا ضد التأثير.

والخطأ المقابل هو الاعتقاد أن المستقل فكريًا يجب أن يخالف الجميع دائمًا. فإذا قالت الجماعة «يمينًا» فقلت «يسارًا» تلقائيًا، فأنت ما زلت تسمح للجماعة بتحديد اتجاهك! قد توافق الأغلبية لأن أدلتها قوية، وقد تخالفها للسبب نفسه، وقد تقول ببساطة: «لا أعرف بعد»، وهذه رغم تواضع شعبيتها على منصات التواصل، واحدة من أكثر الجمل احترامًا للعقل.

لسنا مطالبين بأن نتحول إلى خبراء في الاقتصاد صباحًا، والطب ظهرًا، والعلاقات الدولية مساءً، ثم نختم اليوم بتحليل خوارزميات الذكاء الاصطناعي قبل النوم.

أحيانًا يكون الوعي أن نعرف متى نكوّن رأيًا، ومتى نبحث، ومتى ننتظر.

في مجتمع رقمي... كلنا جزء من الحكاية في مجتمع سعودي يشهد تحولًا رقميًا متسارعًا، لم يعد الوعي الإعلامي مهارة تخص الإعلاميين وصناع المحتوى وحدهم.

كل مستخدم اليوم جزء من دورة الاتصال: يستقبل المعلومة، ويفسرها ويعلق عليها ويعيد نشرها، وقد يضيف إليها قبل أن تصل إلى غيره.

لذلك لا يكفي أن نسأل: «هل الخبر صحيح؟»، بل: ما مسؤوليتي تجاه هذه المعلومة؟ هل أملك سياقها؟ هل مصدرها موثوق؟ وهل قد يسهم تداولها في تضليل الآخرين؟ فالمجتمع الذي يتقدم تقنيًا يحتاج بالتوازي إلى إنسان يتقدم في طريقة تعامله مع المعلومة.

التقنية تمنحنا سرعة غير مسبوقة في الوصول إلى المحتوى. أما الحكمة في التعامل معه... فلا تزال مسؤوليتنا نحن.

هنا تتغير وظيفة الوعي الإعلامي. فالمجتمع الواعي لا يحتاج فقط إلى من يخبره ما الصحيح وما الخاطئ، بل إلى أفراد يمتلكون أدوات السؤال والتحقق والمقارنة وتكوين الأحكام باستقلالية.

نحن لا نعاني اليوم من نقص المعلومات، بل من فائضها..

آلاف الرسائل تتنافس على انتباهنا، والخوارزمية تقرر أيها سيقف أقرب إلى أعيننا.

لذلك ربما لا تكون أهم مهارات الإنسان الرقمي سرعة الوصول إلى المعلومة، بل قدرته على التوقف قبل الاستجابة لها؛ أن يمنح عقله تلك المسافة الصغيرة بين ما يراه وما يصدقه، وبين ما يصدقه وما يشاركه.

هناك يبدأ الوعي.

وفي المرة القادمة التي تجد فيها فكرة يتبناها الجميع، لا تسارع إلى رفضها ولا إلى تبنيها.

اسأل: من أين جاءت؟ ما دليلها؟ وماذا كنت سأعتقد لو لم أعرف رأي الآخرين فيها؟ فالوعي الإعلامي لا يعني أن تكون دائمًا صاحب الإجابة المختلفة، بل أن تعرف لماذا اخترت إجابتك أصلًا.

وحينها فقط تستطيع أن تقول بثقة: هذا رأيي... لا مجرد صدى لما حولي.