ماجد المطيري

ماجد المطيري

تخيّل أن يستيقظ العالم يومًا، فيجد أن الشاشات الزجاجية التي اعتدنا أن نحدّق فيها ليل نهار قد اختفت. أن تمتد أيدينا إلى جيوبنا فلا نجد هاتفًا، وأن تعود أعيننا لتلتقي بأعين الآخرين دون أن تفصل بينها شاشة.

للحظة، قد نشعر بالارتباك. كيف سنعرف الأخبار؟ كيف سنتواصل مع من نحب؟ كيف سنصل إلى الأماكن؟ وكيف سنقضي ساعات الانتظار التي اعتدنا أن نملأها بالتمرير بين المقاطع والمنشورات؟

لكن بعد أن يهدأ ذلك الارتباك، ربما نكتشف أننا لا نفتقد الهاتف بقدر ما نفتقد أشياء أخذها الهاتف منا دون أن نشعر.

قبل أن يصبح الهاتف جزءًا من تفاصيل يومنا، كان للحضور معنى مختلف. كان الطعام يُؤكل ويُتذوق، لا يُصوَّر قبل أن نبدأ. وكانت الرحلات تُعاش من أجل الذكريات، لا من أجل توثيق كل لحظة ونشرها. وكانت اللحظة السعيدة تكفي بذاتها، دون الحاجة إلى أن يعرف العالم كله أننا سعداء.

وكان للموعد أيضًا قيمة مختلفة. إذا اتفق شخصان على اللقاء، كان عليهما أن يلتزما بكلمتهما، فلا رسالة تصل قبل دقائق تقول: «آسف، ما أقدر أجي». كان الانتظار جزءًا من الحياة، وكان للانتظار نفسه معنى.

أما عقولنا، فكانت تملك مساحة أكبر للهدوء. لم تكن التنبيهات تقاطعنا كل بضع دقائق، ولم تكن الأخبار تتدفق علينا بلا نهاية، ولم نكن ننتقل من مقطع إلى آخر بحثًا عن شيء جديد قبل أن نمنح الشيء الذي أمامنا فرصة حقيقية.

كنا نقرأ، ونتأمل، ونجلس مع أنفسنا. وربما شعرنا بالملل أحيانًا، لكن ذلك الملل كان يفتح الباب للخيال والتفكير والحديث.

وفي العلاقات الإنسانية، كان الأمر مختلفًا أيضًا. كان الجار يعرف جاره، وكان الحديث وجهًا لوجه أكثر حضورًا وصدقًا. كنا نسمع نبرة الصوت ونرى تعابير الوجه، ونفهم ما وراء الكلمات. أما اليوم، فقد تختصر مشاعر كاملة في رمز تعبيري.

ومع ذلك، سيكون من الظلم أن نقول إن الهاتف لم يمنحنا شيئًا. لقد جعل العالم أقرب، وسهّل الوصول إلى المعرفة، وقرّب البعيد، وساعدنا في الدراسة والعمل وقضاء كثير من شؤون حياتنا. المشكلة لم تكن في الهاتف نفسه، بل في اللحظة التي انتقل فيها من كونه أداة نستخدمها إلى شيء يستخدمنا.

لذلك، ربما لا نحتاج فعلًا إلى العودة إلى زمن ما قبل الهاتف. ربما نحتاج فقط إلى أن نستعيد شيئًا من ذلك الزمن داخل حياتنا الحالية.

أن نضع الهاتف جانبًا أثناء الطعام. أن نجلس مع من نحب دون أن تكون الشاشة هي الحاضر الثالث بيننا. أن نسمح لأنفسنا بالملل قليلًا، وأن نقرأ كتابًا دون أن نقطع صفحاته بعشرات الإشعارات.

فالهاتف لم يسرق منا حياتنا في يوم واحد، بل أخذ منها دقائق صغيرة، ثم دقائق أخرى، حتى أصبحنا نكتشف أحيانًا أن ساعات كاملة مرت ونحن لا نتذكر أين ذهبت.

ولو عاد بنا الزمن قبل الهاتف، ربما خسرنا سرعة الوصول إلى العالم، لكننا ربما كنا سنكسب شيئًا لا توفره أي تقنية: القدرة على أن نكون حاضرين فعلًا في حياتنا.

فربما لا تكون المشكلة أن الهاتف بين أيدينا، بل أن حياتنا أصبحت أحيانًا بين يديه.