عبدالله محمد آل الشيخ

لم يكن «اتفاق مكة للدفاع المشترك» الذي جمع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان ،في السابع من أغسطس الماضي مجرد توقيع سياسي آخر يضاف إلى أرشيف الاتفاقيات..

بل يبدو اليوم وبعد أقل من شهر على توقيعه أننا أمام مشروع يراد له أن ينتقل سريعًا من الكلمات إلى المؤسسات، ومن التفاهم إلى العمل، ومن النوايا إلى بناء منظومة تعاون لها أدواتها ومسؤولياتها..

وهنا تحديدًا تكمن أهمية ما جرى في إسطنبول.. فاجتماع اللجنة الإستراتيجية السياسية والدفاعية بحضور وزراء الخارجية والدفاع والقيادات العسكرية للدول الثلاث لم يكن اجتماعًا بروتوكوليًا ، بل أول اختبار عملي لجدية «اتفاق مكة» وقدرته على التحول إلى إطار مؤسسي مستدام.. وقد جاءت نتائجه لتقول الكثير.

الدول الثلاث أكدت عزمها على العمل من أجل السلام والاستقرار المستدامين ودعم خفض التصعيد وضبط النفس والحلول السلمية للأزمات. وفي الوقت نفسه اتفقت على تعزيز مصداقية وفاعلية الردع والدفاع الجماعي وتطوير التعاون في الصناعات الدفاعية والإنتاج والتقنيات المشتركة.. والأهم أن الاتفاق بدأ يبني مؤسساته: إذ تقرر إنشاء أمانة عامة في المملكة العربية السعودية يتولاها في مرحلتها الأولى أمين عام من باكستان لمدة ثلاث سنوات.. وهذه ليست تفاصيل إدارية عابرة..

إنها إشارات إلى أن الدول الثلاث تريد لهذا التجمع أن يستمر، وأن تكون له ذاكرة مؤسسية وبرامج وآليات متابعة

بدلًا من أن يبقى رهين الاجتماعات والمناسبات..

ومن هنا أيضًا نفهم أهمية ما قاله وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، في مؤتمره الصحفي عقب الاجتماع؛ حين تحدث عن بدء اختبار بنية جديدة للأمن والتعاون الإقليمي، وعن العمل على «خارطة طريق» لانضمام دول أخرى إلى الاتفاق مستقبلًا..

وهنا تبدأ الأسئلة الكبيرة: هل نحن أمام نواة لمنظومة أمن وتعاون إقليمي أوسع؟ وهل يمكن أن يصبح «اتفاق مكة» مستقبلًا مظلة تجمع دولًا أخرى تؤمن أن أمن المنطقة مسؤولية مشتركة، وأن حماية الاستقرار لا تتحقق بالبيانات وحدها، وإنما بتوازن المصالح وقوة الردع والتعاون السياسي والعسكري والاقتصادي؟ أعتقد أن الباب قد فُتح لكن الحكمة تقتضي ألا.. نستبق الأحداث..

فالتحالفات الكبرى لا تقاس بعدد أعضائها ولا بضجيج الإعلان عنها، وإنما بوضوح أهدافها وتماسك أطرافها وقدرتها على تحويل المصالح المشتركة إلى سياسات ومؤسسات وقرارات.. وما يمنح هذه التجربة أهمية خاصة هو وزن الدول الثلاث نفسها..

المملكة العربية السعودية بثقلها العربي والإسلامي والسياسي والاقتصادي وموقعها في قلب العالمين العربي والإسلامي.. وتركيا بما تملكه من قدرات عسكرية وصناعية وموقع جيوسياسي بالغ الأهمية، وباكستان بما تمثله من قوة عسكرية وبشرية وإستراتيجية كبيرة..

وعندما تجتمع هذه القدرات فإن المسألة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها اصطفافًا ضد دولة أو محور، وإنما باعتبارها فرصة لبناء قوة استقرار وردع وهو المعنى الذي حرصت الدول المشاركة على تأكيده..

وفي تقديري أن الدور السعودي هنا يستحق قراءة أعمق.. فالاتفاق ولد في مكة المكرمة، والأمانة العامة ستكون في، المملكة العربية السعودية، وفي ذلك دلالة تتجاوز المكان، إلى الدور..المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز

وبحضور سياسي متصاعد لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء

لم تعد تتعامل مع أزمات المنطقة بردود الأفعال، بل تسعى إلى بناء شراكات وتوازنات تمنع الأزمة قبل وقوعها أو تقلل تكلفتها عندما تقع..، وهي سياسة يحتاجها عالمنا اليوم. فنحن نعيش مرحلة بالغة الصعوبة:

حروب وصراعات واضطراب في الممرات والمياه الإقليمية وسباق تسلح وتغيرات سريعة في التحالفات الدولية بينما يدفع العالمان العربي والإسلامي في كثير من الأحيان أثمان صراعات لم يكن هو من بدأها.. ولذلك فإن التلاحم لم يعد ترفًا سياسيًا. والتعاون لم يعد مجرد أمنية..والقوة حين تكون لحماية السلام ومنع العدوان، ليست نقيضًا للسلام بل قد تكون إحدى أهم ضماناته:

لكن النجاح الحقيقي لاتفاق مكة سيبدأ من خارطة الطريق القادمة: ما الأولويات؟ ما آليات التنسيق؟ كيف يتطور التعاون الدفاعي؟

وكيف يمكن توسيع الاتفاق مستقبلًا من دون أن يفقد تماسكه أو يتحول إلى استقطاب جديد في منطقة أنهكتها الاستقطابات؟

تلك أسئلة ستجيب عنها الأيام والاجتماعات المقبلة بإذن الله.

أما ما نستطيع قوله اليوم فهو أن اجتماع إسطنبول أثبت أن ما وُقّع في مكة لم يبقَ في مكة بل بدأ يسير.. وإذا نجحت الدول الثلاث في المحافظة على هذا الزخم وربطت القوة بالحكمة والردع بالسلام والمصالح الوطنية بالمصلحة الإقليمية الأوسع فقد نكون أمام بداية مرحلة مختلفة في مفهوم الأمن والتعاون بين دول العالم الإسلامي.. ومن مكة كانت البداية.. ومن الرياض ستكون الأمانة..وبينهما طريق طويللكنه يستحق أن يُسلك..

حفظ الله المملكة وقيادتها. ووفق دول الاتفاق لما فيه أمن شعوبها واستقرار المنطقة.. وجعل من «اتفاق مكة» جسرًا للسلام والتعاون لا ساحة لاستقطاب جديد..

اللٌهم آمين.. يارب