حين يقرر الخاطر أن يصاب بنوبة تذمر من رتابة الأيام وتشابه الساعات، يبدو الإنسان كطائر أنهكه التفكير في فواتير الكهرباء، وإيجار الشقة، وأقساط السيارة. فتتوق أجنحته إلى فضاء أوسع؛ فضاء لا يذكّره بساعات الدوام، ولا بمدير يراقب الوقت بابتسامة صفراء، كأن الزمن ملكية خاصة مسجلة باسمه. ل

ذلك «تغيير الجو» بالنسبة للإنسان المعاصر ليس مجرد ارتحال شاعري، بل مشروع إنقاذ عاجل، لا رحلة ترفيه. محاولة أخيرة لاستعادة شيء من التوازن قبل أن يرفع العقل رايته البيضاء ويعلن انسحابه من معركة الاحتمال اليومي للحياة.

لكن المشكلة تبدأ من الفكرة نفسها. فنحن نتعامل مع تغيير الجو كما لو أن الهموم موظفون ملتزمون بأنظمة الجوازات، سيقفون بكل تهذيب عند ختم المغادرة، ولن يسمح لهم بالعبور إلى الدولة الأخرى. ولهذا نحزم حقائبنا بحماس، ونضع فيها الملابس، ثم نضيف إليها هموم العمل، وقلق المستقبل، وتراكمات الديون، والكولسترول، وبعض الخلافات العائلية، وربما أزمة منتصف العمر إن بقي مكان في الحقيبة. ثم نغلق السحاب بإحكام، ونسافر مقتنعين أننا تركنا كل شيء خلفنا. لكن ما إن نصل إلى منتجع فاخر يطل على بحر أزرق، حتى نكتشف الحقيقة المؤلمة: لقد وصلت همومنا أيضًا. نجلس أمام منظر يخطف الأنفاس، بينما أعيننا معلقة بشاشة الهاتف. نأكل طعامًا لا نستطيع نطق اسمه، لكننا نستطيع الرد على رسائل «واتساب» في أقل من ثلاثين ثانية، وكأن الكرة الأرضية ستخرج عن مدارها إذا تأخر الرد قليلًا. فأي تغيير جو هذا، ونحن لم نغيّر سوى عنوان الإقامة؟ ولعل أكثر ما يثير السخرية أننا لا نكتفي بحمل همومنا معنا، بل نصرّ على توثيق عملية الهروب منها لحظة بلحظة. فما إن تطأ أقدامنا الرمال حتى تنشغل الأيدي بالهاتف أكثر من انشغالها بالبحر. نلتقط صورًا للغروب، لا لأننا نريد أن نتذكره، بل لأننا نريد أن يرى الآخرون أننا رأيناه. وكأن الغروب لا يصبح جميلًا إلا إذا حصد عددًا كافيًا من الإعجابات، وكأن الراحة لا تُقاس بطمأنينة القلب، بل بعدد المشاهدات على «الستوري». نحن لا نستمتع باللحظة... نحن نؤديها أمام جمهور.


لهذا يعود كثيرون من الإجازة أكثر تعبًا مما كانوا قبلها. نفس القلق... لكن بإطلالة بحر. نفس الوحدة... لكن في جناح فندقي. نفس الأسئلة التي كانت تدندن في رأسك في بيتك، تحجز مقعدًا بجانبك في الطائرة، وتلتفت إليك بعد الإقلاع لتسألك: «هل تشعر بالتحسن الآن؟» لأن المشكلة لم تكن يومًا في المدينة التي تسكنها، بل في رأسك الذي تحمله معك أينما ذهبت. إن تغيير الجو الحقيقي لا يكون بقطع آلاف الأميال، بل بقطع الحبل الوهمي الذي نلفه حول أعناقنا بأيدينا، ثم نشكو أنه يخنقنا. هو أن تتوقف عن الاعتقاد أن السعادة تذكرة سفر، أو ختم في جواز، أو تأشيرة شنغن، أو غرفة تطل على البحر. السعادة ـ على فقرها الشديد ـ لا تحتاج إلى فيزا، ولا إلى صالة رجال أعمال، ولا إلى حقيبة سفر. إنها قرار داخلي، متاح للجميع، لكننا نؤجل اكتشافه لأنه أقل إثارة من حجز رحلة، وأصعب من شراء تذكرة. لقد آن الأوان أن ندرك أن السعادة ليست وجهة نصل إليها، بل أسلوب نعيش به. وأن الهموم ليست أمتعة تُفرض علينا، بل أوزان نختار كل صباح أن نحملها... أو أن نضعها أرضًا.