قد لا ينتبه أحد إلى عدد الأشياء التي يجب أن تعمل في وقت واحد حتى تستمر مؤسسة واحدة في أداء عملها. الموظفون يحضرون إلى مكاتبهم، وأجهزة الحاسب تعمل، والاتصالات مفتوحة، والأنظمة الإلكترونية متاحة، والموردون يرسلون احتياجات المؤسسة، والعملاء يحصلون على خدماتهم دون أن يفكروا للحظة في كل هذه التفاصيل. لكن ماذا يحدث عندما يتغير كل شيء خلال دقائق؟

قد يبدأ الأمر بحريق في مبنى، أو انقطاع طويل للكهرباء، أو هجوم إلكتروني، أو عطل في أحد الأنظمة، أو أمطار غزيرة تمنع الموظفين من الوصول إلى مقر العمل، أو مشكلة مفاجئة لدى مورد تعتمد عليه المؤسسة. عندها لا يعود السؤال: هل تعمل المؤسسة بشكل جيد؟ بل يصبح السؤال الأصعب: هل تستطيع المؤسسة أن تستمر في العمل؟ هنا تظهر قيمة استمرارية الأعمال.

الفكرة ببساطة أن المؤسسة لا تستطيع منع كل الأزمات، لكنها تستطيع أن تستعد لها. تستطيع أن تفكر مسبقاً في الخدمات التي لا ينبغي أن تتوقف، والموظفين الذين يتولون المهام الأساسية، والبدائل المتاحة إذا تعطل المبنى أو النظام الإلكتروني، وكيفية حماية البيانات، وكيف ستتواصل مع الموظفين والعملاء، ومتى يمكن العودة إلى العمل الطبيعي.


قد يرى البعض أن وضع مثل هذه الخطط نوع من المبالغة، خصوصاً عندما تكون الأمور مستقرة. وهذا أمر مفهوم؛ فالإنسان بطبيعته يميل إلى التركيز على المشكلات التي أمامه الآن، وليس على مشكلة قد تحدث بعد شهر أو سنة أو ربما لا تحدث أبداً. لكن المؤسسات لا تستطيع أن تبني جاهزيتها على افتراض أن الأمور ستكون بخير. والتجارب الواقعية تؤكد ذلك.

عندما ضرب إعصار ساندي الساحل الشرقي للولايات المتحدة في عام 2012، لم يكن الضرر مجرد أمطار ورياح قوية. تعطلت الكهرباء، وتوقفت وسائل النقل، وأغلقت مبان، وأصبح وصول الموظفين إلى أماكن عملهم مشكلة حقيقية. بالنسبة للمؤسسات المالية، كان الوضع أكثر حساسية؛ لأن توقفها يعني أن وراءه عملاء ومعاملات وأموال وعمليات لا يمكن ببساطة وضعها على قائمة الانتظار.

كانت مؤسسة BNY Mellon واحدة من المؤسسات التي واجهت هذا الاختبار. فقد تعذر على آلاف الموظفين الوصول إلى مكاتبهم المعتادة، وتأثرت بعض مواقع العمل، لكن المؤسسة تمكنت من المحافظة على قدر كبير من عملياتها من خلال ترتيبات مسبقة شملت مواقع بديلة، والعمل عن بُعد، ومصادر احتياطية للطاقة، وإعادة توزيع بعض العمليات والموارد. لم يكن إعصار ساندي أقل قوة لأن المؤسسة كانت مستعدة، ولم تكن الأضرار أقل بسبب وجود الخطة. الذي تغير هو قدرة المؤسسة على التعامل مع الأزمة دون أن تبدأ بالتفكير من الصفر. وهذه نقطة جوهرية في استمرارية الأعمال. فالخطة لا تمنع الخطر، لكنها تقلل من أثره على الأعمال.

وفي المقابل، يمكن النظر إلى الهجوم الإلكتروني الذي تعرضت له مدينة أتلانتا الأمريكية عام 2018 باعتباره مثالاً على الجانب الآخر من المعادلة. فقد أدى هجوم ببرنامج إلكتروني إلى تعطيل عدد من الأنظمة والخدمات الحكومية، واضطر موظفون إلى العودة في بعض الحالات إلى إجراءات يدوية ورقية، وتأثرت خدمات إلكترونية مختلفة، واحتاجت المدينة إلى إنفاق ملايين الدولارات في جهود التعافي.

المشكلة هنا لم تكن أن الهجوم الإلكتروني اخترع نوع جديد من المخاطر. فالتهديدات السيبرانية كانت معروفة، وكانت المؤسسات الحكومية والخاصة تدرك أن أنظمتها قد تتعرض للهجوم. لكن الفرق بين معرفة الخطر والاستعداد له كبير. قد تعرف المؤسسة أن الحريق ممكن، لكن هل تعرف أين سيعمل موظفوها إذا احترق مقرها؟ وقد تعرف أن الهجوم الإلكتروني ممكن، لكن هل تستطيع تشغيل خدماتها إذا توقفت أنظمتها الإلكترونية؟ وقد تعرف أن المورد قد يتعثر، لكن هل لديها مورد بديل؟ وقد تمتلك نسخة احتياطية من البيانات، لكن هل جربت بالفعل استعادتها عندما تكون الأنظمة متوقفة؟ هذه هي الأسئلة التي تكشف حقيقة الجاهزية.

واللافت أن استمرارية الأعمال ليست موضوع خاص بالشركات الكبيرة أو البنوك أو المؤسسات ذات الميزانيات الضخمة. المؤسسة الصغيرة تحتاج إليها أيضاً، وربما تكون أكثر حاجة إليها في بعض الحالات؛ لأن فقدان موظف رئيس أو نظام إلكتروني أو بيانات العملاء قد يكون أكثر تأثيراً عليها من مؤسسة كبيرة تمتلك موارد وبدائل متعددة.

تخيل أن مطعم يعتمد بالكامل على نظام إلكتروني لاستقبال الطلبات، أو عيادة تحفظ مواعيد مرضاها وملفاتهم على نظام واحد، أو شركة صغيرة تعتمد على موظف واحد لإدارة عملياتها المالية. عطل بسيط في المكان الخطأ قد يتحول إلى أزمة حقيقية إذا لم تكن هناك بدائل. ولهذا فإن استمرارية الأعمال تبدأ من سؤال بسيط ما الذي لا نستطيع تحمل توقفه؟ بعد ذلك تأتي الأسئلة الأخرى كم من الوقت يمكن أن نتوقف؟ ماذا نحتاج حتى نستمر؟ من يتخذ القرار؟ أين نعمل إذا فقدنا مقرنا؟ كيف نصل إلى بياناتنا؟ كيف نتواصل مع عملائنا؟ ومن يمكنه أن يحل محل الموظف إذا غاب؟ وما البدائل التي يمكن اللجوء إليها إذا تعطل أحد الموردين؟ قد تبدو هذه الأسئلة كثيرة، لكنها في الحقيقة أرخص بكثير من طرحها للمرة الأولى أثناء وقوع الأزمة. وهنا تقع بعض المؤسسات في خطأ آخر تضع خطة استمرارية أعمال، ثم تحفظها في ملف وتعتبر المهمة انتهت.

الخطة التي لا يعرفها الموظفون، ولا يتم تدريبهم عليها، ولا تُختبر بين فترة وأخرى، قد لا تساعد كثيراً عندما تقع الأزمة. فالواقع مختلف عن الورق. قد تتغير أرقام الهواتف، أو يغادر موظفون، أو تنتقل المؤسسة إلى مبنى جديد، أو تتغير الأنظمة التقنية، أو يظهر مورد جديد، بينما تظل الخطة القديمة كما هي. لذلك فإن استمرارية الأعمال ليست وثيقة تُكتب مرة واحدة، وإنما عملية مستمرة من التخطيط والتدريب والاختبار والمراجعة والتحديث.

ومن المهم أيضاً ألا تتحول هذه العملية إلى مسؤولية إدارة واحدة. فاستمرارية الأعمال مسؤولية الإدارة العليا، وإدارة الموارد البشرية، وتقنية المعلومات، والتشغيل، والمالية، والاتصال، وكل إدارة ترتبط بعمل حيوي داخل المؤسسة. ففي لحظة الأزمة لا تعمل المؤسسة كأقسام منفصلة؛ إما أن تعمل منظومتها معاً، أو يتأثر الجميع. والأمر لا يتعلق فقط بحجم الخسائر المالية. فالمؤسسة التي تتوقف لفترة طويلة قد تخسر ثقة عملائها، وسمعتها، ومورديها، وربما موظفيها أيضاً.

لذلك أصبحت استمرارية الأعمال جزء أساسي من مفهوم المرونة المؤسسية. المؤسسة المرنة ليست التي لا تتعرض للاضطرابات، فهذا غير واقعي، وإنما المؤسسة التي تستطيع امتصاص الصدمة، والاستمرار بالحد الأدنى الممكن، ثم استعادة أعمالها والعودة تدريجياً إلى وضعها الطبيعي. لا أحد يستطيع أن يتنبأ بالمكان الذي ستأتي منه الأزمة. قد تكون بسبب أمطار غزيرة، أو حريق، أو شبكة الإنترنت في شكل هجوم إلكتروني، أو خلل في سلسلة الإمداد بسبب مورد توقف عن العمل.

لكن المؤسسة تستطيع أن تقرر قبل حدوث ذلك كله هل ستنتظر الأزمة حتى تبحث عن حل، أم ستستعد للحل قبل أن تصل الأزمة؟ الفرق بين الخيارين قد يكون كبير ومؤثر. ففي أوقات الهدوء، قد تبدو خطة استمرارية الأعمال مجرد تكلفة إضافية ووقت وجهد لا حاجة لهما. أما عندما تتوقف الأنظمة، وتغلق الأبواب، وينقطع الاتصال، ويبدأ العملاء بالسؤال، فقد تتحول هذه الخطة نفسها إلى أهم وثيقة تمتلكها المؤسسة. الأزمات لا تعطي المؤسسات وقت كافي للتفكير من البداية، ولذلك فإن أفضل وقت للتخطيط للاستمرار هو قبل أن نحتاج إلى الاستمرار.