حامد هو مدير إحدى المراحل الدراسية في المؤسسة التي أعمل بها، وهو رجل خبر الطلاب ومشكلاتهم، ويستطيع غالبًا أن يميز الطالب الصادق من حركة عينيه، والكاذب من كثرة استعماله لعبارة: (والله يا أستاذ، الموضوع مو كذا).
قلت: ولماذا أنا؟
تنهد وقال: لأن ابني طرف في المشكلة. ثم شرح لي المأزق: كلما دخل ابنه في خلاف مع أحد الطلاب، أصرّ الطرف الآخر على أن يتولى المدير القضية بنفسه. لا يريدون الوكيل، ولا الموجه الطلابي، ولا لجنة تحقيق محايدة من الأمم المتحدة. يريدون الأب نفسه، ثم يستعدون مسبقًا للاعتراض على حكمه لأنه أب.
أما الابن، فيحمل تصورًا معاكسًا تمامًا. إنه يعتقد أن أباه يقسو عليه ويتعمد إدانته كي يثبت للطلاب أنه لا يجامل ابن المدير. باختصار، كان حامد متهمًا في كل الأحوال؛ إن برّأ ابنه فهو أب متحيز، وإن أدانه فهو أب يستعرض نزاهته على حساب ابنه، وإن اعتذر عن نظر القضية فهو يهرب من الحقيقة.
وإن أحالها إلى غيره قيل إن النتيجة مرتبة سلفا. في مثل هذه المواقف لا يعود السؤال: من المخطئ؟
يصبح: ما صلة القاضي بالمخطئ؟ وهذا سؤال كفيل بأن يفسد أكثر الأحكام عدلًا.
جلست في مكتب حامد، وجلس أمامي الطلاب. بدأ كل واحد منهم روايته من اللحظة التي تناسب براءته. الأول بدأ من الشتيمة التي تلقاها، ولم يذكر ما قاله قبلها. والثاني بدأ من الدفعة التي دفعها له صاحبه، ونسي تمامًا الحركة التي سبقتها.
لا أحد يكذب كذبًا كاملًا؛ هذا عمل مرهق يحتاج إلى خيال قوي. نحن نفضل طريقة أكثر راحة: نروي الجزء الصحيح الذي يخدمنا، ونترك بقية الحقيقة في الخارج تنتظر دورها.
انتهت المشكلة على خير، أو على الأقل انتهت بالصورة التي تنتهي بها معظم مشكلات المدارس: اعتذار متردد، ومصافحة بلا حماس، وعيون تقول إن المعركة الحقيقية ستُستأنف بعد الانصراف.
بعد أن غادر الطلاب، عاد حامد إلى مكتبه وسألني عما حدث. أخبرته بالتفاصيل، فهز رأسه وقال بثقة: أكيد أن ابني لم يكن مخطئًا!
تأملته لحظة. الرجل الذي هرب من القضية خوفًا من عاطفة الأب، كان قد أصدر حكمه بمجرد أن اطمأن إلى أن أحدًا آخر سيتحمل مسؤوليته!
هنا تذكرت المثل الشعبي: (القرد في عين أمه غزال) وهو مثل قاسٍ على القرد، ومبالغ في مجاملة الغزال. لا نعرف لماذا اختير الغزال ليكون المعيار النهائي للجمال، مع أن الطاووس كان قريبًا، والأسد يمتلك حضورًا أفضل، والقط يعرف كيف يقنع البشر بأنه أجمل من الجميع.
لكن الفكرة واضحة: الحب لا يغيّر ملامح من نحب، يغيّر فقط أعيننا نحن. الأم لا ترى طفلًا عاديًا؛ ترى المعجزة التي صنعتها بنفسها. والأب لا يرى ابنًا محدود المواهب؛ يرى مشروع رجل عظيم لم تكتشفه الحياة بعد. والكاتب لا يرى نصًا مرتبكًا؛ يرى تحفة لم يفهمها القراء بسبب تراجع الذائقة العامة. كل واحد منا يربي قردًا صغيرًا في مكان ما، ثم يغضب لأن الآخرين لا يرون قرنيه الرشيقين وعينيه الواسعتين.
لكن الغريب ليس أن ترى الأم ابنها غزالًا. الغريب أنها قد تنظر إلى ابنها الغزال نفسه بعد قليل وتقول له:
انظر إلى فلان... لماذا لا تصبح مثله؟ هنا يحق للقرد أن يعترض. إذا كنت ترينني غزالا، فلماذا تطلبين مني أن أصبح مثل قرد الجيران؟
وهكذا تبدأ المقارنات العائلية التي لا تنتهي. لكل أسرة شاب أسطوري يدعى (فلان) هذا الفلان متفوق في دراسته، بار بوالديه، يستيقظ مبكرًا، لا يضيع وقته، يعرف الإنجليزية، ويحصل على وظيفة ممتازة قبل أن يتخرج. لا أحد يعرفه جيدا، لكن الجميع يستشهد به. وربما كان فلان نفسه يعود إلى بيته فيسمع والده يقول له:
انظر إلى علاء لماذا لا تصبح مثله؟
نحن نقارن أبناءنا بأفضل لقطة من حياة الآخرين، ثم نقارن الآخرين بأسوأ لحظة في حياة أبنائنا. نعرف أن ابننا كان متعبًا حين أخفق، وأنه كان مضغوطًا حين غضب، وأن الظروف لم تساعده حين تأخر. أما ابن الناس فلا ظروف له، ولا تعب، ولا حياة خفية. إنه مجرد نتيجة ناجحة نستعملها في توبيخ أولادنا.
نحن لا نقارن إنسانًا بإنسان، نحن نقارن الكواليس بالإعلان. نعرف عن القريب ما يبرره، ونعرف عن البعيد ما يدينه أو يثير إعجابنا. ولهذا نتسامح مع الأول أحيانا، ونبالغ في تقدير الثاني أحيانا أخرى.
وقد يحدث العكس. فبعض الآباء، خوفا من تهمة المحاباة، يقسون على أبنائهم أكثر مما يقسون على الغرباء. المدرس قد يدقق في ورقة ابنه أكثر من بقية الأوراق. والمدير قد يعاقب ابنه بقسوة مضاعفة حتى لا يقال إنه استغل منصبه.
وهنا لا تختفي العاطفة؛ إنها تغير اتجاهها فقط. التحيز لا يعني دائمًا أن تمنح قريبك أكثر مما يستحق. قد يعني أن تمنحه أقل مما يستحق كي تحمي صورتك أمام الناس. وفي الحالتين لم تعد تحكم على الفعل، أنت تحاكم علاقتك بصاحبه.
إذا كان القرب يشوش الرؤية، فالبعد لا يضمن وضوحها. من يقترب أكثر من اللازم قد لا يرى العيب، ومن يبتعد أكثر من اللازم قد لا يرى الإنسان.
لهذا كانت العدالة صعبة. هي لا تطلب منا أن نكون بلا مشاعر؛ لأن هذا غير ممكن، وربما غير مرغوب. إنها تطلب فقط ألا نجعل مشاعرنا ترتدي ثوب الحقيقة ثم تتحدث باسمها.
كان حامد يعرف أنه أب، ولذلك ابتعد عن كرسي الحكم. وهذه في ذاتها فضيلة. لكنه حين قال: (أكيد أن ابني لم يكن مخطئًا)، أثبت أن الأب لم يغادر المكتب أصلا؛ لقد بقي واقفًا خلف الباب، ينتظر النتيجة.
ربما لا نستطيع أن نرى أبناءنا كما يراهم الناس، ولا أفكارنا كما يراها منتقدوها، ولا أنفسنا كما نبدو من الخارج. لكن بوسعنا على الأقل أن نتردد قليلا قبل أن نسمي القرد غزالا، أو نسمي الغزال قردا. والمشكلة، كما يبدو، ليست أن لكل واحد منا قردا يراه غزالا.
المشكلة أن لدينا غزلانا حقيقية أيضا. نظل نطاردها بالمقارنات حتى ننجح في إقناعها بأنها قرود.