يكثر الحديث مؤخرًا عند التعرض للتعليم ومناهجه عن ارتباط ذلك كله بسوق العمل، بحاجة الشركات إلى التطوير، ويبدأ الإسهاب في مستقبل التقنية العالية والذكاء الاصطناعي، وتوظيف علم النفس في التسويق وفنون البيع، فباختصار يدور الحديث في هذا عن الموظف وليس بالضرورة عن المفكر، وهنا فرق كبير عند النظر في منظومة تعليم غرضها أن تخرج موظفين يتقنون عملهم على أحسن وجه بما يحقق أعلى قدر ممكن من الأرباح والجودة في السوق مع تفهم ذلك أمام الحاجة إلى التحديث. لكن مع ضرورة التنبه إلى أنهم قد لا يفقهون الكثير مما يتجاوز حدود تخصصهم، وكلما تناسى الناس جاءت الأحداث لتذكرهم بأنه لا ينبغي أن يغفل دور المفكر! ففي الحروب والأزمات يحتاج الناس إلى سماع صوت من يطمئنهم أو يستشرف مستقبلهم أو يحلل حاضرهم.
منذ أفلاطون وما طرحه من نظرية في التعليم، وما ربطه من ذلك بفلسفة كبرى عن التذكر بما كان في عالم الروح أو المثل، إلى حدود القرن التاسع عشر كانت النظريات التعليمية منهمكة بمقصد صناعة المفكر، حتى زادت الشقة بين التخصصات، وتعقدت أمام تطور الصناعة وانفتاح الأسواق، مرورًا بالحربين العالميتين والتحديث العسكري، فتقزم اهتمام كثير من الباحثين إلى نظريات تنتج الموظف المتخصص فحسب. وفي مختلف مناطق العالم رثى المفكرون لحال الثقافة، والقدرات النقدية، أمام ثقافة الدعاية، والتسويق، حتى صار مبتذلًا نشر الانتقادات التي طالت العلموية والنداء بموت الفلسفة لصالح طرائق تفكير أشبه ما تكون بصناعة الآلات وأبعد ما تكون عن الإبداع.
ولو نظرنا إلى ما حدث مؤخرًا في ظل التوتر العسكري والسياسي في المنطقة العربية حين صعد نجم محللين أسمعوا الجماهير ما تود سماعه، وظهر متعلمون بعقلية الموظف مثل «ضياء العوضي» وما استحدثه من (نظام الطيبات) بما فيه من دعوة إلى التخلي عن الأدوية الطبية للمرضى، حتى صار المتابع الساذج عرضة للنهب الثقافي الديني والسياسي وحتى الطبي. ويستفحل الأمر مع شره الربح عند كثير من صناع المحتوى، فيستقدمون كل ما يثير الجدل ويزيد المشاهدات مهما كان تقييم محتواه من حيث الدقة. لقد رام هؤلاء تسور محراب الفكر والثقافة والدين دون مؤهلات فيها. وقد نبه وجودهم إلى أرضية تقنية تضمن الانتشار السريع لمختلف الأفكار الشعبوية لآفة غياب الثقافة النقدية، ويرجع ذلك إلى عزوف سواء في القطاعات الشعبية أو الجامعات عن العلوم الإنسانية، وأخص بالذكر: الفلسفة، السياسة، وعلم الاجتماع، لما لها من تأثير كبير في المجتمع وصياغة آرائه وحتى ذائقته.
يمكن التنظير طويلًا في نظريات التعليم، ولكن يبقى هناك إشكال بوجود قطاع كبير من الموظفين ممن ألفوا السيرة القديمة وكما قيل إن معرفة الفضيلة ليست كافية وحدها لتسلك سبلها، وكذلك النظريات. وهنا قد يقع التسليم بأن أكثرية المجتمعات الحديثة منهمكة بالتخصصات، ولو سئل الواحد من أصحاب التخصص عن قضية معينة خارج مجاله قد يقول إنها لا تعنيه ولا تهمه، فقطاع المفكرين أقل من غيرهم عددًا، لكن ما ينبه عليه المقال هو خطورة الوصول إلى مرحلة إعدام المثقفين المفكرين تمامًا في المجتمعات فيما سماه رونان ماكدونالد، بعنوان كتاب له (موت الناقد)!
لا بد إذن من ضمان وجود هذه الفئة عبر احتوائها وإيجاد المنصات لها، وكما تلقى كثيرون أيام ما سمي «الصحوة» منصات رغم أنهم لم يسهموا في شيء من صناعة أو تقنية، فإن جهدًا لا أقول مماثلًا بل لو بلغ عشره مع فئة من المفكرين، يمكن حينها صناعة فارق، ويضحى من الصعب تمرير الأجندات، أو إحياء الأفكار المتطرفة، أو أن يجد طبيب مفصول من عمله جمهورًا يصغي للحديث عن إطلاقات مشوهة باسم نظرية جديدة تشفي من كل الأمراض، يخلط فيها كلامه تأويل القرآن بإحالة على بعض الأوراق العلمية، مع إغراق في نظرية المؤامرة والشعارات الشعبوية، بما يتسبب لمتابعيه في ضرر بالغ بل الوفاة، كما نقل عن عدد من حالات مرضى للسكري الذين تابعوا البرنامج المسمى بنظام (الطيبات).
لا يعني هذا، التقليل من أهمية التخصصات بحال، بل لا يمكن لأي منظومة تعليمية أن تعلم كل شيء للطالب، إنما يكفي أن تمنحه المفاتيح الكلية ليعرف أي باب يطرقه إن أراد المعرفة، وأن تعد مفكرين لديهم القدرة على العبور بين التخصصات، وأن يمنحوا رؤى جامعة تؤثر في غيرهم فهذا هو المطلوب، فلن يتحول الجميع إلى مفكرين ولا حتى إلى متخصصين، لكن الأهم ألا يتحول الجميع إلى جهلة في الجوانب العامة: الهوية، السياسة، المجتمع!
منذ أفلاطون وما طرحه من نظرية في التعليم، وما ربطه من ذلك بفلسفة كبرى عن التذكر بما كان في عالم الروح أو المثل، إلى حدود القرن التاسع عشر كانت النظريات التعليمية منهمكة بمقصد صناعة المفكر، حتى زادت الشقة بين التخصصات، وتعقدت أمام تطور الصناعة وانفتاح الأسواق، مرورًا بالحربين العالميتين والتحديث العسكري، فتقزم اهتمام كثير من الباحثين إلى نظريات تنتج الموظف المتخصص فحسب. وفي مختلف مناطق العالم رثى المفكرون لحال الثقافة، والقدرات النقدية، أمام ثقافة الدعاية، والتسويق، حتى صار مبتذلًا نشر الانتقادات التي طالت العلموية والنداء بموت الفلسفة لصالح طرائق تفكير أشبه ما تكون بصناعة الآلات وأبعد ما تكون عن الإبداع.
ولو نظرنا إلى ما حدث مؤخرًا في ظل التوتر العسكري والسياسي في المنطقة العربية حين صعد نجم محللين أسمعوا الجماهير ما تود سماعه، وظهر متعلمون بعقلية الموظف مثل «ضياء العوضي» وما استحدثه من (نظام الطيبات) بما فيه من دعوة إلى التخلي عن الأدوية الطبية للمرضى، حتى صار المتابع الساذج عرضة للنهب الثقافي الديني والسياسي وحتى الطبي. ويستفحل الأمر مع شره الربح عند كثير من صناع المحتوى، فيستقدمون كل ما يثير الجدل ويزيد المشاهدات مهما كان تقييم محتواه من حيث الدقة. لقد رام هؤلاء تسور محراب الفكر والثقافة والدين دون مؤهلات فيها. وقد نبه وجودهم إلى أرضية تقنية تضمن الانتشار السريع لمختلف الأفكار الشعبوية لآفة غياب الثقافة النقدية، ويرجع ذلك إلى عزوف سواء في القطاعات الشعبية أو الجامعات عن العلوم الإنسانية، وأخص بالذكر: الفلسفة، السياسة، وعلم الاجتماع، لما لها من تأثير كبير في المجتمع وصياغة آرائه وحتى ذائقته.
يمكن التنظير طويلًا في نظريات التعليم، ولكن يبقى هناك إشكال بوجود قطاع كبير من الموظفين ممن ألفوا السيرة القديمة وكما قيل إن معرفة الفضيلة ليست كافية وحدها لتسلك سبلها، وكذلك النظريات. وهنا قد يقع التسليم بأن أكثرية المجتمعات الحديثة منهمكة بالتخصصات، ولو سئل الواحد من أصحاب التخصص عن قضية معينة خارج مجاله قد يقول إنها لا تعنيه ولا تهمه، فقطاع المفكرين أقل من غيرهم عددًا، لكن ما ينبه عليه المقال هو خطورة الوصول إلى مرحلة إعدام المثقفين المفكرين تمامًا في المجتمعات فيما سماه رونان ماكدونالد، بعنوان كتاب له (موت الناقد)!
لا بد إذن من ضمان وجود هذه الفئة عبر احتوائها وإيجاد المنصات لها، وكما تلقى كثيرون أيام ما سمي «الصحوة» منصات رغم أنهم لم يسهموا في شيء من صناعة أو تقنية، فإن جهدًا لا أقول مماثلًا بل لو بلغ عشره مع فئة من المفكرين، يمكن حينها صناعة فارق، ويضحى من الصعب تمرير الأجندات، أو إحياء الأفكار المتطرفة، أو أن يجد طبيب مفصول من عمله جمهورًا يصغي للحديث عن إطلاقات مشوهة باسم نظرية جديدة تشفي من كل الأمراض، يخلط فيها كلامه تأويل القرآن بإحالة على بعض الأوراق العلمية، مع إغراق في نظرية المؤامرة والشعارات الشعبوية، بما يتسبب لمتابعيه في ضرر بالغ بل الوفاة، كما نقل عن عدد من حالات مرضى للسكري الذين تابعوا البرنامج المسمى بنظام (الطيبات).
لا يعني هذا، التقليل من أهمية التخصصات بحال، بل لا يمكن لأي منظومة تعليمية أن تعلم كل شيء للطالب، إنما يكفي أن تمنحه المفاتيح الكلية ليعرف أي باب يطرقه إن أراد المعرفة، وأن تعد مفكرين لديهم القدرة على العبور بين التخصصات، وأن يمنحوا رؤى جامعة تؤثر في غيرهم فهذا هو المطلوب، فلن يتحول الجميع إلى مفكرين ولا حتى إلى متخصصين، لكن الأهم ألا يتحول الجميع إلى جهلة في الجوانب العامة: الهوية، السياسة، المجتمع!