عبدالله فلاح العتيبي

حين وضعت رؤية السعودية 2030 ترسيخ مكانة المملكة مركزًا لوجستيًا عالميًا ضمن مستهدفاتها، بدأت ملامح هذا التحول تظهر في الموانئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية، وفي شبكة متنامية من المراكز اللوجستية التي تربط هذه المنظومة ببعضها وتدعم حركة التجارة وسلاسل الإمداد بين القارات.

ومن هنا تبرز أهمية المراكز اللوجستية فهي لم تعد مجرد مواقع للتخزين، بل مراكز تجمع النقل والمناولة والتوزيع والتخليص وإعادة التصدير، وترتبط بالموانئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية.

وما استوقفني في تقرير برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية لعام 2025 الذي صدر مؤخراً رقم بالغ الأهمية، إذ ارتفع عدد المراكز اللوجستية المُمكّنة لإعادة التصدير إلى 24 مركزا، بعد أن كان عددها مركزين فقط في عام 2019. ويعكس هذا التوسع حجم التحول الذي يشهده القطاع اللوجستي، ودوره المتنامي في دعم موقع المملكة كمركز لحركة التجارة وإعادة التصدير.

وهذا التوسع جزء من مشروع أكبر. ففي عام 2023 أُطلق المخطط العام للمراكز اللوجستية، الذي يتضمن 59 مركزا لوجستيا بمساحة إجمالية تتجاوز 100 مليون متر مربع موزعة على مناطق المملكة، ضمن الإستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية التي تستهدف ترسيخ مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث، والوصول إلى قائمة أفضل عشر دول عالميًا في مؤشر الأداء اللوجستي بحلول 2030.

وتكتسب إعادة التصدير أهمية خاصة لأنها تحول مرور البضائع إلى قيمة اقتصادية. فالشحنة التي تصل إلى المملكة ثم تتجه إلى سوق أخرى تستفيد أثناء وجودها من خدمات التخزين والمناولة والنقل والتجميع والتخليص والتأمين، وهو ما يوسع النشاط الاقتصادي المرتبط بسلاسل الإمداد ويجذب مزيدًا من الشركات والاستثمارات.

لكن نجاح المراكز اللوجستية يرتبط بكفاءة المنظومة المحيطة بها. وقد ناولت موانئ المملكة خلال عام 2025 نحو 8.3 ملايين حاوية، بينها 2.2 مليون حاوية مسافنة، وهو مؤشر مهم على تنامي دور الموانئ السعودية في خدمة بضائع متجهة إلى أسواق أخرى، وليس فقط الواردات والصادرات المحلية.

كما انخفض متوسط زمن الفسح الجمركي إلى نحو ساعتين، وفي أكتوبر 2025 أصبح تقديم بيانات الشحن والبيانات الجمركية قبل وصول البضائع عبر الموانئ البحرية إلزاميًا، بما يساعد على تسريع الإجراءات وتقليل زمن الانتظار.

وفي مارس 2026 جاءت خطوة أخرى بإطلاق مبادرة الممرات اللوجستية من موانئ الساحل الغربي، لتوفير مسارات تشغيلية مخصصة للبضائع والحاويات المحولة من موانئ المنطقة الشرقية والخليج، بما يعزز مرونة حركة التجارة بين المنافذ السعودية.

هذه التطورات تكشف أن المراكز والموانئ والجمارك والطرق والممرات التشغيلية تعمل ضمن شبكة واحدة. وكلما ارتفع مستوى التكامل بينها، أصبحت المملكة أكثر قدرة على جذب شركات النقل والتوزيع والخدمات اللوجستية العالمية.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن الموقع الجغرافي المميز للمملكة يمنحها فرصة كبيرة، بينما تعمل رؤية 2030 على تحويل هذه الميزة إلى قدرة اقتصادية فعلية من خلال البنية التحتية وسرعة الإجراءات وتنوع خيارات النقل.

ولا يمثل الانتقال من مركزين إلى 24 مركزا مُمكّنا لإعادة التصدير مجرد زيادة في العدد، بل يعكس اتساع البنية اللوجستية للمملكة بالتوازي مع تنفيذ المخطط العام للمراكز اللوجستية الذي يستهدف شبكة من 59 مركزًا بحلول 2030.