محمد الخميسي

من هو المجنون ومن هو العاقل؟ لا يزال العلماء عاجزين عن حسم الإجابة عن هذا السؤال المحيّر؛ إذ لم يتمكنوا بعد من معرفة الحدّ الفاصل بين الجنون والعقل. ذلك أن الخط الفاصل بينهما ليس ثابتًا وواضحًا، وإنما يتغير بتغير الزمان والمكان والظرف، كما أن غياب المعيار المادي الذي يفصل بين الجنون والعقل زاد من حيرة العلماء وعجزهم.

ومن جهة أخرى، فنحن لا نعلم إلى الآن ما هو العقل حتى نعرف الجنون على ضوئه. فضلًا عن ذلك، إذا قلنا إن التعقّل هو الامتثال للمفاهيم السائدة، فهذا يعني أن الجنون قد يكون هو الإبداع الحقيقي؛ لأنه يخالف السائد المجتمعي وينتهك عاداته وقوانينه. ولا ننسى أن كل الأفكار التي اعتُبرت جنونًا عند ظهورها، يصبح فيما بعد مخالفتها هو الجنون. فالناس بطبيعتهم يستميتون في محاربة الأفكار الجديدة، ثم يقبلونها، ثم يستميتون في الدفاع عنها. فالجنون، بهذا المعنى، ليس غياب العقل، بل صوته الحاد الذي تخلّص من أغلاله.

ونحن نعلم أن هناك علماء عظامًا اتُّهموا بالجنون، بينما اتضح لاحقًا أن مجتمعاتهم هي المجنونة. وديوجين الكلبي أحد هؤلاء؛ فقد اتُّهم بالجنون في عصره، وأثبت لنا أن الجنون يكون أحيانًا هو التمرد الواعي على جنون المجتمع نفسه.

ويأتي السؤال الحاسم: من يملك الحق في الحكم على تلك التجربة بأنها من أنساق الجنون أم من مستويات العقل؟

وقد أشار جلال الدين الرومي في ديوانه «المثنوي» إلى شيء مشابه لهذا، إذ يقول:

«هذا الذي تراه غارقًا في صمته، ثم يبتسم بينه وبين نفسه، ليس مختلًا؛ هو، على الأرجح، يستحضر طيفًا يحبه».

فكرة امتداح الجنون نجد جذورها عند أفلاطون؛ إذ يميّز بين الجنون المرضي والجنون المقدس. فالأخير يهبط على الإنسان من السماء، وهو عنده أفضل من العقل نفسه؛ لأنه إلهام إلهي، بينما العقل آلة بشرية.

ويقسم أفلاطون هذا الجنون المقدس إلى أربعة أنواع:

1. جنون الكهانة أو العرافين: أولئك الذين يعتقدون أنهم تلقوا إلهامًا من الآلهة، أخبرهم بحكمةٍ ما أو فعلٍ ما.

2. الجنون التطهيري: وهو متعلق بالصلاة والعبادة لآلهة الإغريق، إذ يعمل هذا النوع من الهوس على تطهير الإنسان من أدران الذنوب، كما ورد في محاورة «فايدروس» لأفلاطون.

3. الجنون الشعري: وهو الذي يلهم الشعراء والفنانين عندما تكون نفوسهم رقيقة وطاهرة؛ إذ يوقظ فيها الإلهام الشعري، ويدفعهم إلى تسطير أعذب الملاحم الشعرية. ومن ظن أن مهارته الإنسانية وحدها كافية لأن تجعله شاعرًا كبيرًا، فمصيره الفشل المحتوم، بحسب تعبير أفلاطون.

4. الجنون العشقي: وهو أعظم الجنون وأشده قداسة؛ إذ يتذكر المرء فيه عالم المُثُل، ويرتقي من الجمال الحسي إلى الجمال الروحي، ومن الجمال الإنساني إلى الجمال الإلهي.

تلك هي الأنواع الأربعة للجنون المقدس، أو الجنون الخلاصي، عند أفلاطون.

وبهذا يتضح لنا أن الجنون ليس دائمًا حالة مرضية، بل قد يكون أحيانًا إبداعًا وعبقرية. وكما قال فريدريك نيتشه:

«هناك دائمًا شيء من الجنون في الحب، ولكن هناك أيضًا دائمًا شيء من العقل في الجنون».