عبدالرحمن المرزوقي

هناك لاعب يمتلك كل شيء تقريباً؛ مهارة، وسرعة، وقدرة على المراوغة، وتسديداً جيداً، وربما يكون من أكثر اللاعبين موهبة في جيله. لكنه عندما يدخل المباراة الكبيرة ويتغير إيقاعها، ويزداد ضغط الجمهور، ويصبح الخطأ ثقيلاً، تختفي كل هذه الميزات فجأة. يصبح متردداً، يفقد الكرة بسهولة، يتأخر في اتخاذ القرار، وكأنه لم يعد اللاعب نفسه الذي رأيناه في التدريبات. هنا يمكن أن نتحدث عن ظاهرة تستحق التأمل«حبسة الموهبة». ليست فقداناً للمهارة، فاللاعب لا يستيقظ في يوم المباراة وقد نسي كيف يراوغ أو يمرر أو يسدد. الموهبة ما زالت موجودة، لكنها محبوسة خلف حالة ذهنية تمنعها من الظهور. فاللاعب يعرف ما يستطيع فعله، لكنه في اللحظة التي يحتاج فيها إلى إخراج موهبته؛ لا يستطيع اظهارها بصورة طبيعية.

الضغط النفسي من أكثر العوامل التي تكشف هذه المشكلة. عندما يشعر اللاعب بالخوف أو التهديد، يتغير تركيزه. بدلاً من أن يكون انتباهه موجهاً إلى الملعب والمساحات وحركة زملائه والقرار المناسب، يبدأ عقله في مراقبة الخطر: ماذا سيحدث إذا أخطأت؟ ماذا سيقول الجمهور؟ هل سيغضب المدرب؟ ماذا لو خسرت الكرة؟ وهنا ينتقل اللاعب من حالة الأداء إلى حالة مراقبة الذات والخوف من الخطأ. هذه اللحظة كافية أحياناً لتعطيل الموهبة.

لكن هناك مشكلة جديدة تستحق الانتباه، خصوصاً مع الجيل الجديد، وهي مشكلة الانتباه نفسها. أصبح الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي والمقاطع القصيرة جزءاً من الحياة اليومية.الدماغ ينتقل خلال دقائق بين عشرات الصور والأفكار والمثيرات. وهذا لا يعني أن مشاهدة المقاطع تسبب وحدها فقدان التركيز أو أنها تفسر غياب المواهب، فالموهبة ظاهرة معقدة ولها أسباب كثيرة، لكن الإفراط في هذا النوع من المحتوى قد يجعل المحافظة على الانتباه المستمر أكثر صعوبة لدى بعض الأشخاص.

الرياضي يحتاج إلى عكس هذا النمط تماماً. المباراة لا تعطي اللاعب مكافأة جديدة كل ثوانٍ، ولا تغير المشهد دائماً بالطريقة التي تغيرها الشاشة. اللاعب يحتاج إلى المحافظة على انتباهه خلال فترات طويلة، ثم يستطيع في لحظة واحدة أن يلتقط معلومة مهمة ويحولها إلى قرار. لذلك فالقدرة على التركيز ليست أمراً ثانوياً في تكوين اللاعب، بل إحدى الأدوات الأساسية التي تسمح للموهبة بالظهور.

قد يكون لدينا لاعب موهوب، لكنه لا يستطيع المحافظة على تركيزه عندما تتعدد المثيرات من حوله. وقد يكون لدينا لاعب آخر أقل مهارة، لكنه أكثر هدوءاً وقدرة على الانتباه واتخاذ القرار تحت الضغط. ومع الوقت قد يتفوق الآخر، ليس لأنه أكثر موهبة بالضرورة، وإنما لأنه يستطيع الوصول إلى موهبته في اللحظة التي يحتاج إليها.

هنا يأتي دور علم النفس الرياضي. التدريب الذهني لا ينبغي أن يبدأ عندما يفشل اللاعب في المباراة، بل يجب أن يبدأ منذ المراحل السنية. يحتاج اللاعب أن يتعلم كيف يحافظ على انتباهه، كيف يعيد تركيزه بعد الخطأ، كيف يتعامل مع الضغط، كيف يفصل بين الفكرة والموقف، وكيف يبقى داخل اللحظة، بدلاً من التفكير في النتيجة أو الجمهور أو الخطأ السابق.

حين نتساءل اليوم عن سبب غياب بعض المواهب أو عدم وصولها إلى أعلى مستوياتها، يجب ألا نبحث عن إجابة واحدة. هناك أسباب فنية وبدنية وتربوية واجتماعية واقتصادية، لكن الجانب الذهني يستحق أن يأخذ مكانه الحقيقي في هذه المعادلة. فالموهبة لا تكفي إذا لم يجد اللاعب البيئة التي تسمح لها بالنمو، ولا تكفي المهارة إذا عجز اللاعب عن استخدامها تحت الضغط.

مهمتنا ليست فقط أن نكتشف اللاعب الموهوب، بل أن نعلّمه كيف يصل إلى موهبته عندما يحتاج إليها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للاعب ليس أن يفقدها، إنما أن تبقى موجودة داخله... ولا يستطيع إظهارها عندما تبدأ المباراة.