خالد أبا الخيل

لو فتشنا في أسباب وفيات بعض الناس، وجاوز التشريح أجسادهم إلى أرواحهم، لربما ظهرت «خيبة الأمل» في الأشعة والتحاليل! ولكتب في كثير من التقارير: جرعة زائدة من التوقع، أو إفراط حاد في حسن الظن بإنسان محدود.

خيبة الأمل من أكثر ما يقتل أهل زماننا؛ تبدأ حكايتها بأن يحمل الإنسان في قلبه رجاء أكبر من احتمال البشر، ثم يضعه كله بين يدي صديق، أو زوج، أو زوجة، أو ولد، أو أخ. يمنحه ثقته، ويودعه أسراره، ويمنيه قلبه بمواقف تليق بتلك المنزلة، حتى يصبح هذا الإنسان ركناً من أركان عالمه الداخلي. ثم تأتي النتائج على خلاف ما رسمه القلب، فينهار الرجاء دفعة واحدة، ويصاب الداخل بصدمة صامتة تعجز العيون عن رؤيتها.

أشد الخيبات وجعاً تلك التي يتأخر فيها اكتشاف المسافة بين الإنسان والصورة التي صنعناها له. فالقلب يضيف إلى من يحب صفات من عنده، ويوسع قدرته على الوفاء، ويمنحه بطولة لم يدّعها، ثم يعامله وفق هذه الصورة.

فإذا جاء الموقف كاشفاً، تألم القلب مرتين: مرة من فعل صاحبه، ومرة من سقوط الصورة التي عاش معها زمناً. ولهذا يفوق ألم الخيبة أحياناً حجم الحادثة؛ لأن الذي تهدم في الداخل أضخم من الموقف الذي وقع في الخارج.

لقد حمّل إنسان هذا العصر علاقاته أعباء هائلة. يريد من الصديق فهماً دائماً، ومن الزوج احتواءً كاملاً، ومن الولد وفاءً مستمراً، ومن الأخ حضوراً يشبه حضور الروح. وهكذا تتحول المحبة في الخفاء إلى عقد طويل من التوقعات، وتصبح العطايا ديوناً مؤجلة، ويغدو الإحسان انتظاراً لمكافأة قادمة.

فإذا تأخرت المكافأة، تسللت المرارة إلى القلب، وصار المعروف نفسه مصدراً للألم. وقد تقيم الخيبة في النفس حتى تسافر إلى الجسد؛ فتظهر أرقاً، وصداعاً، وانطفاءً، واضطراباً، وإعياءً غامضاً. فالجسد يحمل كثيراً من الأحزان التي بقيت بلا لغة، ويترجم بصمته ما أخفاه القلب طويلاً. ولهذا جاءت التربية القرآنية لتطهر العطاء من انتظار المقابل: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾. ففي الإحسان لوجه الله تحرير للقلب من حسابات الناس، وصيانة للمحبة من الابتزاز الداخلي، وإيداع للجزاء عند من يحفظ الودائع ويضاعف الأجر.

ويعمق القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب اللَّه وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن تبور﴾. كل علاقة وتجارة في الدنيا يدركها البوار بصورة ما؛ صفقة تربح المال وتستنزف العمر، وعلاقة تمنح السرور ثم يطويها الجفاء، ومعروف يعود بالثناء ثم يأكله النسيان.

حتى الربح الدنيوي يحمل في داخله أجل فنائه؛ فما جمعته اليد تركته، وما استبقاه القلب فارقه. والتجارة مع الله خارجة عن هذا المصير: أصلها محفوظ، وربحها نامٍ، ووعدها ممتد إلى دار البقاء. كل ما وضعته عند الله من إحسان، ووفاء، وصبر، ودمعة، يعود إليك أوفر مما بذلت، وأبقى مما رجوت. إنها التجارة التي تصون القلب من الإفلاس؛ لأن شريكها الكريم يعطي على القليل كثيراً، ويجزي على الفاني باقياً. ويبقى ميزان النجاة في نهاية الأمر: أن يتسع القلب للناس محبة، ويتجه إلى الله رجاءً. أحبب الناس بصدق، وأحسن إليهم بسخاء، وامنحهم قدرهم من المودة، مع إبقائهم داخل حدودهم البشرية، واجعل تجارتك الكبرى مع الله. وأفضل مانع من خيبة الأمل أن لا تعلق قلبك إلا بالله؛ فإن الأمل به لا يخيب بحال.