مريم النويمي

المتفوقون غالباً ما يختارون الطب مهنة لهم، ويتحملون تبعات دراسته، من العزلة الاجتماعية والضغط النفسي، وكلما تقدموا في سنوات الدراسة يشعرون بقرب تحقيق حلمهم. «الجراح، الطبيب النفسي، النساء والولادة، أو طبيب الأطفال»، ولكن ما أن يتخرجوا من الكلية حتى يجدوا أنفسهم أمام باب موصد، يحول بينهم وبين تحقيق حلمهم. فالطبيب حديث التخرج لا يصبح اختصاصيًا بمجرد حصوله على شهادة الطب، بل تبدأ أمامه رحلة أخرى من التدريب في التخصص الذي اختاره، وأحياناً الذي أُجبر عليه حسب درجاته. ولكي يدخل هذه الرحلة يحتاج إلى مقعد تدريبي، وجهة ترعاه حتى انتهاء تدريبه بعقد يمنحه الاستقرار، ومسار واضح يعرف من خلاله أين سيذهب بعد كل هذه السنوات.

كيف تغير القبول في برنامج الزمالة السعودية بالتخصصات الطبية المختلفة عبر السنوات؟

كان خريجو كلية الطب، يؤدون اختبار الهيئة السعودية للتخصصات الصحية الشامل، عادة أثناء سنة الامتياز إذا كان لديهم نية الالتحاق ببرنامج التخصص مباشرة بعد إنهاء سنة الامتياز، ومدة صلاحيته عامان، أي إذا مر أكثر من عامين منذ اجتيازه اختبار الهيئة قبل الالتحاق ببرنامج التخصص يلزمه إعادته. لم يشغل فكر أي من خريجي كلية الطب ذلك الوقت المقعد التدريبي، فعدد خريجي الطب كان محدوداً، يتراوح بين 400-600 طبيب وطبيبة على مستوى المملكة، من خمس كليات طب كانت موجودة آنذاك. كلهم بسهولة يعينون وبعد ذلك إيفادهم لبعثات محلية، إذا كان التخصص تحت مظلة الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، أو ابتعاثهم للخارج إذا لم يكن التخصص متاحاً داخلياً، ويعودون بعد ذلك أخصائيين. وبعد إتمام ثلاثة أعوام من تاريخ الحصول على الزمالة يصنفون استشاريين في التخصص، وأكثر الطموحين يسعون للحصول على تخصص دقيق فيتم الإيفاد أو الابتعاث مرة أخرى للتخصص الدقيق، ويعود ليفيد مجتمعه، يُعلّم أطباء متدربين، ويعالج مرضى بكل ما توصل إليه الطب الحديث.

أصبح الطبيب السعودي مطلوباً في كل التخصصات، بعد عام 2000 ازداد عدد كليات الطب وازداد عدد البرامج التدريبية ومقاعدها، وتغيرت بوقت ليس طويلا آلية القبول، من تعيين وإيفاد إلى عقود تدريبية، أي أن الطبيب يتم قبوله وتتكفل وزارة الصحة والمستشفيات في القطاعات الأخرى كالمستشفيات العسكرية أو الجامعية براتب شهري للمتدرب حتى نهاية تدريبه، بعقد متفق عليه، حسب مدة كل برنامج تخصصي، يعني بمثابة راع لهذا المتدرب، وبمجرد انتهاء التدريب ينتهي العقد، وعليه أن يقدم على وظيفة حتى يجد مكانا شاغرا. أتذكر أحد الطبيبات قالت لي: «خفت أنسى اللي تعلمته في البورد»!، ولكن بعد فترة منّ الله عليها بوظيفة، فسجدت لله شكراً، قبل أن تنسى كيفية تركيب الأنبوب التنفسي، وجرعة منشط القلب.

مع زيادة عدد كليات الطب الحكومي منها والخاص، ازداد عدد خريجيها، ليصل إلى ما يقارب 6000 طالب وطالبة. المشكلة اليوم ليست أن لدينا خريجين ولا توجد لهم مقاعد تدريبية، الصورة أكثر تعقيدًا، فقد يوجد المقعد التدريبي، يوجد المركز المعتمد، وقد يملك الخريج المعدل والسيرة الذاتية والطموح، لكن يبقى السؤال الأهم، من سيتكفل برعاية هذا الطبيب أثناء سنوات تدريبه؟ عقد طبيب متدرب، ليس مجرد راتب يتقاضاه الخريج، بل هو الجسر الذي ينقله من طبيب عام حديث التخرج، إلى اختصاصي سيعمل بعد سنوات في المستشفيات ويدرب غيره، وحين يقل عدد هذه العقود مقارنة بأعداد المتقدمين واحتياجاتهم وتنوع تخصصاتهم، فإننا لا نصنع مشكلة توظيف مؤقتة فحسب، بل قد نصنع معضلة في مسار صناعة الطبيب نفسه.

قد لا تحتاج منشأة صحية في هذه اللحظة تعيين عدد كبير من الأطباء المتدربين ضمن ميزانيتها التشغيلية، لكن بعد سنوات، حتماً ستحتاج إلى «أطباء طوارئ، أطفال، تخدير، عناية مركزة، نساء وولادة، جراحة، طب نفسي»، وغيرها من التخصصات. الطبيب الذي نحتاجه بعد خمسة أعوام يجب أن نبدأ تدريبه اليوم، وإلا سوف نضطر إلى التعاقد مع أطباء غير سعوديين، ونحن نسعى إلى السعودة، الطبيب السعودي نادر وإن زاد العدد فلدينا مستشفيات طرفية، ومنشآت صحية موسمية وطب حشود. ربما علينا زيادة عدد المراكز المعتمدة للتدريب، لتشمل مستشفيات طرفية إذا ما توفرت فيها الشروط، يعين أبناء هذه المناطق فيها، ويحصلون على التخصص، ليخدموا مجتمعاتهم. ليس بالضرورة أن تكون مستشفيات مركزية للمقاعد التدريبية، فبدلاً من أن تستغني المنشأة الصحية الطرفية عن أطبائها للتدريب إن وجدوا مقعداً، تستقطب أعدادا إضافية، وتقل عقود الأطباء غير السعوديين الذين غالباً يعملون في هذه المناطق، سعياً لتحسين الخدمة وزيادة المقاعد التدريبية وسعودة الوظائف وبالتالي قلة التكلفة، ولا يحق للطبيب المتدرب أن ينقل من المنشأة بعد إنهاء تدريبه، بل عليه أن يخدمها كمتخصص وكمدرب في البرنامج ذاته. كلية طب دون خطة مسار واضحة للطبيب، تعني إضاعة وقت وإهدار للجهود، فكل طالب طب هو مشروع إستشاري في تخصص ما، بعد 15 عاماً تقريباً من دخول الكلية، وهذا وقت كافٍ لوضع خطة مساره بأمان.