سلمان الحارثي

تتجدد في نفوس أبناء الوطن مشاعر الفخر والاعتزاز، مع حلول ذكرى بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه- وفي الوجدان قيم الولاء والانتماء لقيادة حكيمة عبرت بالبلاد نحو آفاق غير مسبوقة من التطور والنهضة. إن هذه المناسبة الوطنية الغالية ليست مجرد حدث عابر في تقويم الأيام، بل هي وقفة تاريخية سنوية لتأمل مسيرة البناء والنماء، وقراءة الإنجازات الاستثنائية التي تحققت في عهد ميمون اتسم بالحزم في القرارات، والعزم في البناء، والرؤية الثاقبة التي تضع إنسان الوطن ونماءه في مقدمة الأولويات.

منذ تولّي خادم الحرمين الشريفين مقاليد الحكم، شهدت المملكة تحولات هيكلية وجذرية شملت جميع القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبفضل الدعم التنموي الكبير والمتابعة الحثيثة من لدن ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، انطلقت رؤية المملكة 2030 لتكون خارطة الطريق نحو المستقبل. ولم تكن هذه الرؤية مجرد خطة اقتصادية لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط فحسب، بل كانت مشروعًا تحوليًا شاملًا لإعادة صياغة الهوية الحضارية والثقافية للمملكة، وفتح أبوابها أمام العالم كوجهة سياحية وثقافية رائدة تلتقي فيها عراقة الماضي بالمستقبل الحالم.

وتعيش المملكة العربية السعودية في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز أحدث قفزة نوعية في تأسيس وزارة الثقافة والبدء لإطلاق طاقات المبدعين السعوديين وتطوير المنظومة الثقافية بكل أبعادها. وإنشاء إحدى عشرة هيئة ثقافية متخصصة تغطي جميع أوجه الإبداع الإنساني، من المسرح والفنون الأدائية، والموسيقى، والأدب والنشر والترجمة، إلى فنون الطهي، والأزياء، والفنون البصرية.

وتجلت هذه النهضة في تحويل الثقافة من نشاط هامشي إلى عنصر أساسي في جودة الحياة ومكون رئيسي من مكونات الاقتصاد الوطني. وأصبحت المدن السعودية الحاضنة لأكبر المهرجانات الثقافية والفنية الدولية والمحلية، ومعارض الكتاب الدولية ومهرجانات الفنون البصرية المعاصرة. ولم يقتصر الأمر على النتاج الحديث، بل امتدت يد الرعاية الملكية إلى حفظ التراث الإسلامي والعربي العريق عبر العناية بالمواقع التاريخية والأثرية، وترميم المساجد التاريخية والمباني التراثية، مما أسهم في تسجيل العديد من المواقع السعودية ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، مثل حي الطريف بالدرعية، وجدة التاريخية، ورسوم حائل الصخرية، وواحة الأحساء، ومنطقة حمى الثقافية بنجران.

ويُعتبر قطاع السياحة أحد أبرز الشواهد الحية على عمق التحول الذي تعيشه المملكة العربية السعودية اليوم تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين. فبعد أن كانت السياحة مقتصرة في مجملها على السياحة الدينية لخدمة حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين، انفتحت المملكة على العالم أمام ملايين السياح من مختلف بقاع الأرض لاستكشاف الكنوز الطبيعية والتاريخية المخبأة في أرجاء الجزيرة العربية.

وواكب هذا الانفتاح استثمارات حكومية وخاصة هائلة في البنية التحتية والمشروعات السياحية العملاقة التي غيرت الخارطة السياحية العالمية. إن هذه المشاريع لم تعد مجرد مخططات على الورق، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يستقبل الزوار ويحصد الإشادات الدولية لابتكاريته ومراعاته الصارمة للبيئة والاستدامة وتمكين المجتمع وصناعة الترفيه، إذ ارتبطت التحولات الثقافية والسياحية ارتباطًا وثيقًا بالتحولات الاجتماعية الكبرى التي شهدتها المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتها تمكين المرأة السعودية وإشراكها بفعالية كشريك أساسي في مسيرة التنمية الحالية. فقد تبوأت المرأة مناصب قيادية ودبلوماسية رفيعة، ودخلت بقوة في مجالات الاستثمار الثقافي والسياحي والإعلامي، مما أضفى حيوية وتنوعًا على الحراك الوطني الشامل.

كما شكل تأسيس الهيئة العامة للترفيه وإطلاق مواسم السعودية تحولًا جوهريًا، مما أسهم في تدوير رأس المال داخليًا وخلق مئات الآلاف من الفرص الوظيفية المستدامة للشباب السعودي في قطاعات واعدة وجديدة كليًا على السوق المحلي.

ذكرى بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز هي المناسبة الأسمى التي يقف فيها الشعب السعودي ليعبر عن عميق امتنانه وشكره لمقام القائد الذي قاد سفينة الوطن بحكمة واقتدار وسط أمواج المتغيرات الإقليمية والدولية المعقدة. إن ما تشهده المملكة العربية السعودية اليوم من نهضة ثقافية وتدفق سياحي وازدهار اقتصادي هو الثمرة المباركة لسنوات من العمل المخلص والدؤوب، والتخطيط الإستراتيجي المقترن بالهوية الأصيلة.

وتأتي هذه الذكرى والمملكة العربية السعودية تسير بخطى واثقة نحو تحقيق مستهدفات رؤيتها الطموحة، بل وتتجاوزها في العديد من المؤشرات العالمية، مؤكدة مكانتها المرموقة كقلب نابض للعالمين العربي والإسلامي، وقوة استثمارية رائدة، ومحور يربط القارات الثلاث. السعوديون في هذا اليوم يتطلعون بعين الأمل واليقين نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا، مستندين إلى إرث تاريخي مجيد، وقيادة ملهمة لا تعرف المستحيل، وشعب طموح يعانق بهمة عنان السماء. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين، وأدام على المملكة العربية السعودية أمنها وأمانها واستقرارها ورفعتها.