البيعة في وعي السعوديين لا تجسد فقط إجراءات انتقال الحكم بقدر ما تمثل استحضارا للحظة انعطاف حقيقية، بدأت بهدوء شديد لا يوحي بحجم ما سيتبعها.
من الصعب، بعد أكثر من عشر سنوات، أن نعيد قراءة تلك اللحظة بالعين نفسها التي رأيناها بها في حينها. حين تولى الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم في يناير 2015، كانت صورته في الذهن العام مرتبطة، بإرث طويل من العلاقة بالتاريخ فهو الأمير الذي أمضى عقودا في إمارة الرياض فرآها تكبر أمام عينيه، وهو الرجل الذي عُرف بشغفه الكبير بالوثيقة والمخطوطة والرواية الشفهية، وراعي دارة الملك عبدالعزيز والذي جعل مهمتها الحفاظ على ذاكرة الدولة منذ تأسيسها.
كثيرون قرأوا في هذا الاهتمام مؤشرا على مرحلة أقرب إلى المحافظة منها إلى التغيير.
ثم جاءت السنوات التالية لتكشف قراءة مختلفة تماما. فمنذ الأشهر الأولى، بدأت بنية الدولة تتغير حيث أُعيد ترتيب مجالس الحكم واللجان الاقتصادية، وانتقلت ولاية العهد إلى جيل جديد، ثم أُطلقت رؤية 2030 لتضع لأول مرة تصورا شاملا لمجتمع حيوي واقتصاد غير نفطي. توالت بعدها تحولات مست تفاصيل الحياة اليومية للسعوديين. تمكين المرأة السعودية، الانفتاح على العالم، والإصلاحات في القضاء وبيئة الأعمال غيّرت المسار ووضعت البلاد على طريق نهضة جديدة ومرحلة مختلفة.
فالملك الذي شُغف بالماضي حرك عجلة الدولة لتنطلق بأسرع وتيرة تغيير في تاريخها الحديث، مشهد يستحق وقفة أطول من مجرد وصفه بالمفارقة. فنحن هنا أمام علاقة سببية نموذجية لم ينتبه إليها غالبية المحللين.
معرفة التاريخ شيء، والبقاء فيه شيء آخر مختلف تماما. فالملك الذي عرف تفاصيل نشأة الدولة، وعرف كيف تشكلت مؤسساتها ولماذا اتخذت القرارات التي اتخذتها في كل مرحلة، يملك أداة مهمة وهي القدرة على التمييز بين ما هو جوهري في هوية هذه الدولة وما كان مجرد ترتيب فرضته ظروف زمن معين فهو بالتالي قابل للتغيير أو التحسين. هذا التمييز هو بالضبط ما يحتاجه أي قائد يريد تغييرا حقيقيا لا يهز الهوية، وفي الوقت نفسه لا يظل حبيس الصور التقليدية.. فكلما كانت العلاقة بالماضي واضحة ومدروسة ومفهومة، أصبح بالإمكان المضي قدما بثقة أكبر.
الرياض نموذج جيد لفهم هذه الفكرة على أرض الواقع. فالمدينة التي شهد الملك سلمان تحوّلها من بلدة صغيرة إلى عاصمة إقليمية كبرى، حفظت ذاكرتها في قلب أحيائها الحديثة، إذ بقيت الدرعية حاضرة، بل استُعيدت واستُثمر فيها ثقافيا واقتصاديا لكونها مهد الدولة السعودية الأولى ومصدرا لهوية معمارية خاصة أعيد توظيفها في مشاريع عمرانية جديدة. فأصبحنا متأكدين أن النمو السريع يراعي أصالة المدينة ولا يقطع بجذورها.
الأمر نفسه ينطبق على مسار توثيق الأرشيف الوطني، الذي ظل أحد الاهتمامات الثابتة لدى الملك سلمان منذ عقود قبل توليه الحكم. فجمع الوثائق والمخطوطات وتسجيل الروايات الشفهية لم يكن نشاطا أكاديميا هامشيا، بل جزء من مشروع عميق يقوم على بناء ذاكرة موثوقة تمنع إعادة كتابة التاريخ حسب حاجة اللحظة، وتمنح الأجيال القادمة مرجعا يعودون إليه كلما احتاجوا إلى اكتشاف تاريخهم.
أعتقد أن هذا تماما هو المفتاح الذي يجعل عهد الملك سلمان يمثل جسرا بين الماضي كجزء من الهوية والمستقبل كاستحقاق للوطن وأجياله القادمة وهذه مسألة جديرة بالتأمل.
في عقل الدولة السعودية، الحكم الرشيد لا تنتجه الشعارات. بل تصنعه معرفة متراكمة بالمجتمع، بتاريخه، وبالثوابت التي قام عليها، بحيث يصبح واضحا ما يمكن تعديله وما لا ينبغي المساس به.
وربما يكون هذا هو التفسير الأقرب لقدرة المجتمع السعودي على استيعاب تحولات بهذا الحجم وبهذه السرعة دون أن يشعر بالانقطاع عن نفسه، لقد قاد الملك سلمان مرحلة التحولات بطريقة أنضجت التفكير الجمعي على كل مستوياته وهذه في الحقيقة عملية دقيقة ونادرة في تاريخ السعوديين.
وفي ذكرى البيعة هذا العام، يبدو مهما النظر إلى ما تحقق خلال أكثر من عقد من الزمن، كاختبار لهذه الفكرة.
الأمير الذي قرأ تاريخ البلاد، وحفظ أسماء القبائل والأماكن ووثائق الدولة الأولى والثانية، أصبح الملك الذي يعرف الطريق ويكتب الفصل الجديد في التاريخ السعودي الممتد من ثلاثة قرون.
من الصعب، بعد أكثر من عشر سنوات، أن نعيد قراءة تلك اللحظة بالعين نفسها التي رأيناها بها في حينها. حين تولى الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم في يناير 2015، كانت صورته في الذهن العام مرتبطة، بإرث طويل من العلاقة بالتاريخ فهو الأمير الذي أمضى عقودا في إمارة الرياض فرآها تكبر أمام عينيه، وهو الرجل الذي عُرف بشغفه الكبير بالوثيقة والمخطوطة والرواية الشفهية، وراعي دارة الملك عبدالعزيز والذي جعل مهمتها الحفاظ على ذاكرة الدولة منذ تأسيسها.
كثيرون قرأوا في هذا الاهتمام مؤشرا على مرحلة أقرب إلى المحافظة منها إلى التغيير.
ثم جاءت السنوات التالية لتكشف قراءة مختلفة تماما. فمنذ الأشهر الأولى، بدأت بنية الدولة تتغير حيث أُعيد ترتيب مجالس الحكم واللجان الاقتصادية، وانتقلت ولاية العهد إلى جيل جديد، ثم أُطلقت رؤية 2030 لتضع لأول مرة تصورا شاملا لمجتمع حيوي واقتصاد غير نفطي. توالت بعدها تحولات مست تفاصيل الحياة اليومية للسعوديين. تمكين المرأة السعودية، الانفتاح على العالم، والإصلاحات في القضاء وبيئة الأعمال غيّرت المسار ووضعت البلاد على طريق نهضة جديدة ومرحلة مختلفة.
فالملك الذي شُغف بالماضي حرك عجلة الدولة لتنطلق بأسرع وتيرة تغيير في تاريخها الحديث، مشهد يستحق وقفة أطول من مجرد وصفه بالمفارقة. فنحن هنا أمام علاقة سببية نموذجية لم ينتبه إليها غالبية المحللين.
معرفة التاريخ شيء، والبقاء فيه شيء آخر مختلف تماما. فالملك الذي عرف تفاصيل نشأة الدولة، وعرف كيف تشكلت مؤسساتها ولماذا اتخذت القرارات التي اتخذتها في كل مرحلة، يملك أداة مهمة وهي القدرة على التمييز بين ما هو جوهري في هوية هذه الدولة وما كان مجرد ترتيب فرضته ظروف زمن معين فهو بالتالي قابل للتغيير أو التحسين. هذا التمييز هو بالضبط ما يحتاجه أي قائد يريد تغييرا حقيقيا لا يهز الهوية، وفي الوقت نفسه لا يظل حبيس الصور التقليدية.. فكلما كانت العلاقة بالماضي واضحة ومدروسة ومفهومة، أصبح بالإمكان المضي قدما بثقة أكبر.
الرياض نموذج جيد لفهم هذه الفكرة على أرض الواقع. فالمدينة التي شهد الملك سلمان تحوّلها من بلدة صغيرة إلى عاصمة إقليمية كبرى، حفظت ذاكرتها في قلب أحيائها الحديثة، إذ بقيت الدرعية حاضرة، بل استُعيدت واستُثمر فيها ثقافيا واقتصاديا لكونها مهد الدولة السعودية الأولى ومصدرا لهوية معمارية خاصة أعيد توظيفها في مشاريع عمرانية جديدة. فأصبحنا متأكدين أن النمو السريع يراعي أصالة المدينة ولا يقطع بجذورها.
الأمر نفسه ينطبق على مسار توثيق الأرشيف الوطني، الذي ظل أحد الاهتمامات الثابتة لدى الملك سلمان منذ عقود قبل توليه الحكم. فجمع الوثائق والمخطوطات وتسجيل الروايات الشفهية لم يكن نشاطا أكاديميا هامشيا، بل جزء من مشروع عميق يقوم على بناء ذاكرة موثوقة تمنع إعادة كتابة التاريخ حسب حاجة اللحظة، وتمنح الأجيال القادمة مرجعا يعودون إليه كلما احتاجوا إلى اكتشاف تاريخهم.
أعتقد أن هذا تماما هو المفتاح الذي يجعل عهد الملك سلمان يمثل جسرا بين الماضي كجزء من الهوية والمستقبل كاستحقاق للوطن وأجياله القادمة وهذه مسألة جديرة بالتأمل.
في عقل الدولة السعودية، الحكم الرشيد لا تنتجه الشعارات. بل تصنعه معرفة متراكمة بالمجتمع، بتاريخه، وبالثوابت التي قام عليها، بحيث يصبح واضحا ما يمكن تعديله وما لا ينبغي المساس به.
وربما يكون هذا هو التفسير الأقرب لقدرة المجتمع السعودي على استيعاب تحولات بهذا الحجم وبهذه السرعة دون أن يشعر بالانقطاع عن نفسه، لقد قاد الملك سلمان مرحلة التحولات بطريقة أنضجت التفكير الجمعي على كل مستوياته وهذه في الحقيقة عملية دقيقة ونادرة في تاريخ السعوديين.
وفي ذكرى البيعة هذا العام، يبدو مهما النظر إلى ما تحقق خلال أكثر من عقد من الزمن، كاختبار لهذه الفكرة.
الأمير الذي قرأ تاريخ البلاد، وحفظ أسماء القبائل والأماكن ووثائق الدولة الأولى والثانية، أصبح الملك الذي يعرف الطريق ويكتب الفصل الجديد في التاريخ السعودي الممتد من ثلاثة قرون.