رقية إسماعيل دهلوي

ليست كل معرفةٍ خبرة، ولا كل من كَسِب المعلومة امتلك القدرة على قراءة ما وراءها، وحيازة المعرفة لا تعني بالضرورة معرفة ما خلف السطور. فبين أن تعرف الشيء وأن تفهم أبعاده مسافةٌ تبنيها التجربة، وتنمِّيها الممارسة، وتُبَلوِرها المواقف.

هنا تبرز القيمة الحقيقية لأهل الخبرة والاختصاص؛ أولئك الذين لا يقفون عند معرفة القواعد، بل يمتلكون مهارة التنفيذ، ولا تأسرهم قوالب المناظر، بل يستقرؤون جذورها وحصادها. فالخبير لا يقف عند حدود المعلومة، بل يمنحنا حكمةً وبصيرةً محّتها التجارب والأيام.

وفي عالم متسارع الخطى، تتجدد الميادين والآليات، وتتطور المناهج والتقنيات، بَيدَ أنّ الحاجة إلى أرباب الخبرة تتعاظم؛ لأن التقدم والتطور لا يقوم على كثرة المعلومات وحدها، بل على القدرة على تحويلها إلى قرار، والمعرفة إلى واقع ملموس، والتجربة إلى نِتاج نافع.

ومن هنا، فإن صَون الخبرات الوطنية ليس مجرد احتفاءً بالماضي، بل استثمارٌ حاسِم في المستقبل. وضمانة لرسوخ البناء. فالخبراء يختزنون في رصيدهم حصاد سنين من التجارب، وذاكرة من المواقف، وعبرًا قد تختصر على الأجيال القادمة الكثير من الوقت والجهد. وحين تنتقل هذه الخبرة من فرد إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، تتحول من بذرة في عقل فرد إلى غِراس يمتدُّ نفعه للوطن.

وفي المملكة العربية السعودية، ومع تسارع وتيرة التنمية والتحول في ظل رؤية 2030، تتجلّى أهمية بناء منظومة معرفية تستضيء من أهل الاختصاص، وتهِبُ خبراتهم مساحةً للتوثيق والمشاركة والإرشاد؛ حتى لا تنطلق كل تجربة جديدة من نقطة الصفر.

وهنا تبرزُ فكرة «بيت الخبرة» بوصفها امتدادًا لهذه الرؤية؛ بيتًا تُصان وتُحرس فيه التجارب، وتقترن فيه الخبرة بالطموح، ويتلاقى فيه جيلٌ صنع التجربة مع جيلٍ يصنع المستقبل.

فالمؤسسات قد تحفظ ملفاتها، لكنها لا تحفظ بالضرورة ما بين سطورها. وقد تدوِّن القرارات، لكنها قد تفقد الحكمة التي قادت إليها.

ولهذا، ليس السؤال: كم لدينا من الخبراء والعقول؟

بل: كم أبقينا من خبراتهم وبصائرهم؟

فحين تنتقل الخبرة إلى معرفة متاحة، والمعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر؛ لا يعود الخبير صفحةً من الماضي، بل يصبح جزءًا من المستقبل.

هنا بالذَُات؛ يتجلى المعنى الحقيقي والقيمة لـ«بيت الخبرة»: ألا تكون سنوات العطاء نهايةً لدور الخبير، بل بدايةً لدورٍ آخر؛ ينتقل فيه من صناعة التجربة إلى نقلها، ومن ممارسة المعرفة إلى تمكين وترسيخ الآخرين منها.

فالمواقع تتغير، والأجيال تتعاقب..والخبرة حين تجِد من يحفظها، لا ترحل.