أبها: الوطن

بعد 12 عاما من سيطرة الحوثيين على صنعاء، لا تظهر كلفة الأزمة في مؤشرات الاقتصاد وحدها، بل في تفاصيل الحياة اليومية داخل العاصمة: أسرة تشتري احتياجاتها بالحبة، ومدرس يعمل بعد الدوام في بيع الخضراوات، ومنازل تتحول إلى ورش ومطابخ صغيرة، وأطفال يغادرون مقاعد الدراسة إلى سوق العمل. ويرصد تقرير ميداني نشره مركز صنعاء للدراسات في 15 سبتمبر 2026، استناداً إلى مشاهدات ومقابلات خلال 2025 و2026، تراجع قدرة الأسر على الاعتماد على الوظيفة والراتب والمدخرات، مقابل اتساع العمل الهش والتحويلات والمساعدات وبيع الممتلكات. وبينما تتداخل آثار الحرب والانقسام الاقتصادي مع هذه التحولات، يضع التقرير طريقة إدارة الموارد والمؤسسات في مناطق سيطرة الحوثيين ضمن العوامل التي تستحق القراءة عند تفسير واقع صنعاء المعيشي.

شراء يومي

لم تعد بعض الأسر قادرة على شراء مؤونة تكفيها لأيام أو أسابيع، فتحولت السلع الأساسية إلى مشتريات صغيرة مرتبطة بما يتوافر من سيولة في اللحظة نفسها. ويعكس «نظام الحبة» تراجع القدرة على التخطيط المالي، بعدما أصبح الغذاء والاحتياجات اليومية منافسة مباشرة لبقية النفقات.

دخل إضافي

الراتب الحكومي الذي كان يمثل قاعدة أساسية لميزانية الأسرة لم يعد كافياً لدى بعض الموظفين. ويعرض التقرير حالة مدرس تاريخ في صنعاء ينهي عمله في المدرسة ليتجه إلى بيع الخضراوات، فيما يعمل موظفون آخرون في سيارات الأجرة والدراجات وأعمال إضافية لتأمين نفقات أسرهم.

اقتصاد المنزل

لم تقتصر محاولات توفير الدخل على العمل خارج المنزل، إذ اتجهت بعض الأسر إلى إعداد الطعام والحلويات والخياطة والحرف اليدوية وتسويقها عبر «واتساب» و«تلغرام». ويتيح هذا النموذج خفض تكاليف التشغيل، لكنه يبقى نشاطاً هشاً خارج كثير من مظاهر الحماية والتنظيم التي يوفرها الاقتصاد الرسمي.

شبكة الأقارب

مع تراجع مصادر الدخل، أصبحت المساعدات العائلية وتحويلات الأقارب في الداخل والخارج جزءاً من آليات البقاء لدى بعض الأسر. ويورد التقرير وصول تحويلات اليمنيين من الخارج إلى نحو 7.4 مليارات دولار في 2024، بما يتجاوز 38% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم وطني لا يخص صنعاء وحدها، لكنه يوضح أهمية التحويلات في اقتصاد الأسر اليمنية.

بيع الأصول

حين لا تكفي المداخيل والمساعدات، يلجأ بعض الأسر إلى المدخرات والممتلكات. ويرصد التقرير بيع الذهب والأراضي والمقتنيات المنزلية لتوفير المال للإيجار والعلاج والغذاء، في انتقال من تقليص الاستهلاك إلى استنزاف الأصول التي يفترض أن تشكل احتياطاً للمستقبل.

المدرسة والورشة

يظهر الضغط الاقتصادي أيضاً في التعليم. ويوثق التقرير حالة فتى في الرابعة عشرة ترك المدرسة للعمل في ورشة ميكانيكا، إلى جانب أطفال يعملون في إصلاح السيارات والبيع وجمع الخردة. وتأتي هذه الحالات في سياق أوسع تشير فيه البيانات الواردة بالتقرير إلى وجود أكثر من 4.5 ملايين طفل خارج المدارس في اليمن.

كلفة ممتدة

لا تختزل هذه المشاهد في أثر الحرب وحده؛ فالانقسام النقدي، وتعطل المؤسسات، وتراجع الرواتب والمساعدات، وإدارة الموارد والجبايات والقيود الاقتصادية، كلها تدخل في تفسير المشهد. وبحسب البيانات التي يستند إليها التقرير، تراجع نصيب الفرد الحقيقي من الناتج المحلي اليمني بنحو 58% عن مستويات ما قبل الحرب، وهي نسبة تخص اليمن بأكمله.

وفي صنعاء، تتجسد هذه الخسارة في قدرة الأسرة على شراء الغذاء، وتوفير التعليم، والاحتفاظ بمدخراتها، والتخطيط للمستقبل. وبعد 12 عاماً، يصبح السؤال الاقتصادي متصلاً مباشرة بطريقة إدارة المدينة ومواردها ومؤسساتها، وليس فقط بحسابات الحرب التي أنهكت البلاد.