عبدالله العلويط

إذا أطلقت الثقافة على سبيل الإشادة فيراد بها «الثقافة الفكرية»، فهي ما تتمايز به الشعوب والدول والمجتمعات، وأكثر ما يتم انتقاله بينها سواء انتقالا زمانيا أو مكانيا. وهي العمود الفقري للحضارة، أكثر من بقية صور الثقافة الشعبية كالملبوسات الشعبية والأكلات الشعبية والفلكلورات والأهازيج والأدوات التراثية.

المجتمعات والشعوب لا تتميز بها، وليست علامة على تقدم الدولة والمجتمع. فكل مجتمع لديه هذا النوع من الثقافة، ولم يصدره ولم تستفد منه الدول الأخرى، وذات مردود مادي ضعيف. وحتى الذين يطالبون بإحيائها لم يبينوا لنا كيفية كونها معلما بارزا باعثا على التفوق أو الإنتاج، بخلاف الثقافة الفكرية التي استفادت منها الأمم من بعضها، كما استفاد المسلمون من التراث اليوناني، واستفاد الغرب من التراث الفكري الإسلامي. ومثل مؤلفات المغرب العربي في الفكر والفلسفة التي انتقلت إلينا وإلى أوروبا وترجمت هناك أكثر من ثقافتهم الشعبية، ولا أعلم بلدا برز بثقافته الشعبية. لذا فالثقافة الفكرية تحتاج إلى إحيائها بإعادة الاعتبار للمثقف، بإزالة النقد الهزيل له ككونه يتحدث من برجه العاجي، أو مقارنته بأصحاب الطرح الشعبي في طريقة الطرح.

كذلك إيجاد منصات إلكترونية متخصصة في الثقافة الفكرية المبسطة، خلافاً للبرامج الفلسفية الحاصلة الآن في بعض القنوات الفضائية- لأن المنصة الأولى للثقافة إن لم تكن الوحيدة هو الإعلام وبخاصة الفضائيات- ففي بعض القنوات برامج موغلة في الفلسفة ولا يستفيد منها إلا المتخصصون الذين قد يجدونها في غيرها. والأولى أن تكون الثقافة الفكرية مبسطة وتعرض كبرامج اجتماعية أو سياسية أو دينية أو أسرية ممزوجة بها كما كان سابقا، وكذلك تناول القضايا الاجتماعية والأسرية ومعالجتها، فهذا من شأنه رفع مستوى الطرح الفكري، وفي الوقت نفسه يقدم حلولا في هذه المجالات لأنها ذو بنية فكرية.

كذلك استضافة المفكرين من أبناء البلد بدرجة أكبر مما هو حاصل.. فبعض القنوات يكثر بها استضافة آخرين من بلدان أخرى مع عدم وجود إضافة لديهم تفوق ما لدى مفكري هذا البلد، وفي الوقت ذاته لا توجد استضافة عكسية لمفكرينا في تلك القنوات. في حين أن هذا لم يكن موجودا في السابق وكأنه لا يوجد مثقفون مفكرون عندنا، وبعض تلك الاستضافات تتناول أحداثا سياسية قديمة في بلدان أخرى لا تهم المشاهد كثيرا، فلا بد من إعادة توجيه هذه البرامج بالشكل الصحيح.

وأخيراً تمييز المتذاكين صناعياً عن غيرهم وهؤلاء- إن صحت هذه التسمية- هم من يستخدمون الذكاء الاصطناعي في كتابة الأبحاث والمقالات، وفرز مقالاتهم عن غيرها باستخدام الذكاء الاصطناعي نفسه، وإيجاد الحلول لمحاربة هذه الظاهرة لأن من شأنها أن تزيل الثقافة الفردية، وهذا لا يعني عدم الاستفادة منها، لكن لا تكتب المقالات باستخدامها فقط لأنها أشبه بالسرقة الفكرية.