خالد أبا الخيل

في اليوم الوطني تستعيد الأمم ذاكرتها، وتقيس المسافة بين البدايات وما بلغته من نضج وقوة وحضور. أما الاحتفاء الأعمق، فيبدأ من الوعي بالإنجاز، والشعور بقيمته، وتحويله إلى جزء من سلوك المجتمع وثقافته؛ فالدولة تصنع الإنجاز، والمواطن يمنحه عمره الثاني، ويغرس معناه في الأجيال.

لقد وضعت المملكة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، رؤية رسمت الطريق وحددت الوجهة، ونقلت الطموح من أمنيات متفرقة إلى مشروع وطني متكامل. ورؤية 2030 مشروع إنسان بقدر ما هي مشروع اقتصاد وتنمية؛ إذ تقوم في جوهرها على منظومة من القيم الحاكمة: العدل والمسؤولية والشفافية والكفاءة وتكافؤ الفرص والإتقان والاعتدال. ومهمة المواطن أن ينقل هذه القيم من لغة الوثائق إلى ضمير الحياة، ومن مؤشرات الأداء إلى أخلاق العمل. وتأتي العدالة في مقدمة هذه القيم؛ لأنها الروح التي تمنح المنجز معناه، والأساس الذي يجعل التنمية موضع ثقة وطمأنينة. وفي المملكة يشعر الإنسان أن حقه تحرسه دولة، وأن كرامته تستند إلى شرع ونظام، وأن السلطة مقيدة بصلاحياتها، وأن سلطان العدالة يعلو على الأشخاص والمناصب. وتبقى الضرورات الخمس: الدين والنفس والعقل والعِرض والمال، في حمى الدولة ورعايتها؛ فيأمن الناس على دمائهم وأموالهم وحقوقهم وخصوصياتهم. هذه هي العدالة في صورتها الحضارية: أمن يسكن القلب قبل أن تحرسه الأجهزة، وحقٌّ يجد طريقه إلى صاحبه، ونظامٌ تسري هيبته على الجميع. ومن أجمل معاني هذا اليوم تعميق الإيمان بمفهوم الدولة. فالدولة هي السقف الجامع، والمرجعية العامة، والحاضنة التي تتسع للاختلاف وتحفظ وحدة المجتمع. وكلما رسخ حضورها في الضمير، ضاقت المساحات التي تتسلل منها التنظيمات المغلقة والجماعات الحركية والأحزاب الباحثة عن ولاء يزاحم الولاء الوطني. فالمنطقة الرمادية بين الدولة والتنظيم تتحول سريعاً إلى منطقة ظل؛ تنمو فيها الأفكار المتطرفة، ويُعاد فيها تشكيل وعي الشاب بعيداً عن أسرته ومجتمعه ووطنه. وقد أغلقت المملكة هذه المساحات، ورسخت معنى الدولة الواحدة، والمرجعية الواحدة، والمصلحة الوطنية الجامعة. ويرتبط بذلك انحسار الوصايات الفردية على الناس. للعالم مكانته في البيان والإرشاد، ولشيخ القبيلة مكانته الاجتماعية، ولأهل الرأي أثرهم في التوجيه، فيما تبقى سلطة الإلزام للمؤسسات المختصة في إطار الشريعة والنظام. وبهذا استعاد الإنسان حقه في الاختيار المسؤول، واستعادت الأسرة أبناءها من الخطابات المنفلتة والفتاوى العابرة التي كانت قادرة على اختطاف شاب من حضن والديه، وسوقه إلى طريق يبدد فيه عمره وروحه ثمناً لوصاية عابرة. كما كرست المملكة تديناً سمحاً، راسخاً في أصوله، معتدلاً في خطابه، يعمر القلب بالإيمان، ويبني الإنسان، ويحفظ المجتمع، ويصل الناس بربهم، ويصون الدين من الغلو والتوظيف الحزبي. وهذا الاعتدال ثمرة طبيعية لاجتماع الشريعة، وهيبة الدولة، ووعي المواطن. إن الوفاء للوطن يتجاوز الفرح بمنجزاته إلى المشاركة في حمايتها وتعميقها. لقد رسمت القيادة الطريق، وشيدت الدولة بنيته، وبقي على المواطن أن يحول الرؤية إلى منهج عمل: عدلاً في مسؤوليته، وإتقاناً في وظيفته، ووعياً في أسرته، واعتدالاً في فكره، وولاءً لدولته.

هكذا يصبح اليوم الوطني عهداً يتجدد، ويغدو الوطن منجزاً نسكنه، وقيمة تسكن فينا. وكل عام والوطن والقيادة والشعب بخير ورفعة.