ليس اليوم الوطني موعدًا عابرًا في روزنامة البلاد، ولا ذكرى تستدعى يومًا في العام ثم تعود إلى خزائن التاريخ، وإنما هو اليوم الذي تقف فيه المملكة أمام مرآتها الكبرى؛ لتتأمل المسافة التي قطعتها من شتات الجغرافيا إلى وحدة الدولة، ومن تنازع الولاءات إلى اجتماعها، ومن الخوف على المصير إلى الثقة بالمستقبل.
23 سبتمبر لا يحتفل به السعوديون بحدود رسمت على خريطة فحسب، بل يحتفلون بإرادة صنعت من تلك الحدود وطنًا، ومن الوطن دولة، ومن الدولة معنى يسكن الإنسان قبل أن يسكن الأرض. فقد كان توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عملًا أكبر من ضم الأقاليم بعضها إلى بعض؛ لأنه وحد الأمن، وجمع الكلمة، وأقام الشرعية، وأنشأ للسعوديين بيتًا سياسيًا واحدًا، بعد أن كانت الجغرافيا مفتوحة على التفرق، والحياة معرضةً للخوف، والمستقبل رهينًا بالمجهول.
ومن هنا ينبغي أن يكون شعار السعودي في هذا اليوم، وفي كل يوم: «الله ثم المليك والوطن». ليست هذه الكلمات الثلاث عبارة حماسية ترددها الألسن، ولا ترتيبًا لفظيًا اقتضته فصاحة القول؛ بل هي بناء متكامل للوعي السعودي، يضع الإيمان، والبيعة، والوطن في مواضعها الصحيحة. فالله هو الغاية العليا، والمليك هو موضع البيعة وعنوان الشرعية، والوطن هو مجال الانتماء والعمل والبذل. وهي مقامات لا تختلط ولا تتنافس: لله العبادة والطاعة المطلقة، وللمليك البيعة والولاء، وللوطن الحب والخدمة والتضحية.
والبدء بالله تعالى هو إعلان عن المرجعية التي تضبط الضمير حين تغيب عنه أعين الناس، وترد القوة إلى العدل، والنعمة إلى الشكر، والعمل إلى الأمانة. فالوطن لا تحميه الأنظمة وحدها، بل يحميه كذلك ضمير يرى أداء الواجب عبادة، وحفظ الأمانة دينًا، والإخلاص في العمل مسؤولية أمام الله قبل أن يكون مسؤولية أمام البشر. ثم يأتي «المليك» قبل الوطن؛ وهنا تكمن دقة العبارة وعمقها. فقد يسأل سائل: لماذا لا نقول الوطن ثم المليك؟ أليس الوطن هو الأرض والناس والتاريخ والذاكرة والمصير؟ والجواب أن تقديم المليك لا يعني إنقاصًا من منزلة الوطن، بل يعني تقديم ما يحفظ الوطن، ويجمع إرادته، ويحرس وحدته، ويصون شرعيته. فالوطن ليس أرضًا صامتة، ولا حدودًا مجردة، ولا مشاعر متناثرة في صدور أبنائه؛ الوطن دولة، والدولة لا تقوم إلا بسلطة شرعية، وقيادة موحدة، وبيعة مستقرة، ونظام تنتظم به الحقوق والواجبات.
المليك في الوعي السعودي ليس شخصًا منفصلًا عن الوطن، وإنما هو رأس الوطن، ورمز وحدته، وموضع بيعة أبنائه، والحارس الأول لاستقلاله واستقراره. وحين يقدم السعودي المليك على الوطن، فإنه يقدم عقد الوحدة على عاطفة الانتماء؛ لأن العاطفة، مهما صدقت، تحتاج إلى شرعية تنظمها، وقيادة تجمعها، ودولة تحولها من شعور في القلب إلى أمن في الأرض، وعدل في الحكم، وعمل في المؤسسات.
لقد عرفت هذه البلاد، قبل توحيدها، أن الأرض قد تبقى بينما تضيع الدولة، وأن الناس قد يتجاورون من غير أن تجمعهم إرادة سياسية واحدة، وأن حب الديار لا يكفي وحده لمنع الفوضى وحماية الحدود وتأمين السبل. ثم جاء المؤسس، فلم يمنح الأرض اسمًا جديدًا وحسب، وإنما منحها دولةً ورايةً وقيادةً ومصيرًا. ولذلك لم تكن البيعة تفصيلًا ملحقًا بالتأسيس، بل كانت قلبه النابض؛ إذ بها انتقلت الولاءات من التفرق إلى الاجتماع، وتحولت القبائل والبلدان والأقاليم إلى شعب واحد تحت قيادة واحدة.
أما «الوطن»، فيأتي بعد ذلك جامعًا ثمار الإيمان والبيعة في واقع حي: أرضًا نذود عنها، ومجتمعًا نحفظ تماسكه، ودولةً نصون مؤسساتها، وتاريخًا نعتز به، ومستقبلًا نشارك في بنائه. فحب الوطن لا يكتمل بالقصائد والأعلام والصور، على جمالها وأهميتها، وإنما يثبت بالعمل والإتقان، واحترام النظام، والمحافظة على المال العام، وأداء المسؤولية، والدفاع عن سمعة البلاد، وتقديم مصلحتها على الأهواء والمصالح الصغيرة.
إن الوطنية الصادقة لا تقاس بارتفاع الصوت، بل بصدق الأثر. قد يكون العامل المتقن في موقعه أكثر وطنيةً من خطيب يملأ المجالس كلامًا، وقد يكون المعلم الذي يبني عقل طفل، والطبيب الذي يصون حياة مريض، والجندي الذي يسهر على الحدود، والباحث الذي ينتج معرفةً نافعة، والموظف الذي يحفظ حق الناس، أبلغ تعبيرًا عن الوطن ممن لا يقدم له سوى العبارات.
واليوم، والمملكة تعيش تحولًا تاريخيًا واسعًا، تتأكد الصلة بين التأسيس والبناء الجديد. فما يجري ليس خروجًا من قصة الدولة في أول عهدها، بل استمرار لها بأدوات العصر. وحد الملك عبدالعزيز الأرض والإرادة، وتعمل القيادة اليوم على توحيد الطاقات والغايات حول مستقبل أكثر قوة وازدهارًا. وإذا كان التأسيس قد نقل البلاد من التفرق إلى الدولة، فإن التحول الراهن ينقلها من الاكتفاء بما تحقق إلى صناعة ما ينبغي أن يتحقق.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول اليوم الوطني إلى احتفال بالماضي وحده؛ فالأوطان الحية لا تجعل تاريخها وسادةً تنام عليها، بل تجعله قاعدةً ترتفع منها. والوفاء للمؤسس لا يكون باستعادة صورته فقط، وإنما باستعادة صفاته: وضوح الغاية، وقوة الإرادة، والصبر على الطريق، والقدرة على تحويل المستحيل إلى واقع. والوفاء للقيادة يكون بالالتفاف حولها، والثقة بمشروعها، والمشاركة الواعية في بناء الوطن، وحماية وحدته من كل خطاب يحاول تمزيقها أو التشكيك فيها.
في اليوم الوطني نحتفل بالسعودية التي ورثناها، وبالسعودية التي نعيشها، وبالسعودية التي نبنيها لأبنائنا. نحتفل بوطن لم يعد مجرد مكان ولدنا فيه، بل هوية نحملها أينما ذهبنا، وذاكرة تسير معنا، وكرامة لا نقبل أن تمس، ومستقبل نرى فيه امتداد أعمارنا.
وحين نقول: «الله ثم المليك والوطن»، فنحن لا نرتب كلمات، بل نعلن ميثاقًا: إيمانٌ يهدي الضمير، وبيعةٌ تجمع الإرادة، ووطنٌ يستحق العمل والتضحية.
فالله فوق كل غاية، والمليك عقد وحدتنا وموضع ولائنا وبيعتنا، والوطن بيتنا الكبير الذي لا بيت لنا سواه. وبين الإيمان والبيعة والانتماء قامت المملكة، وبهذه الثلاثية الراسخة تمضي، آمنةً عزيزةً شامخة، من مجد التأسيس إلى أفق المستقبل.
نحتفل بوطن لم يعد مجرد مكان ولدنا فيه، بل هوية نحملها أينما ذهبنا، وذاكرة تسير معنا، وكرامة لا نقبل أن تمس، ومستقبل نرى فيه امتداد أعمارنا.
23 سبتمبر لا يحتفل به السعوديون بحدود رسمت على خريطة فحسب، بل يحتفلون بإرادة صنعت من تلك الحدود وطنًا، ومن الوطن دولة، ومن الدولة معنى يسكن الإنسان قبل أن يسكن الأرض. فقد كان توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عملًا أكبر من ضم الأقاليم بعضها إلى بعض؛ لأنه وحد الأمن، وجمع الكلمة، وأقام الشرعية، وأنشأ للسعوديين بيتًا سياسيًا واحدًا، بعد أن كانت الجغرافيا مفتوحة على التفرق، والحياة معرضةً للخوف، والمستقبل رهينًا بالمجهول.
ومن هنا ينبغي أن يكون شعار السعودي في هذا اليوم، وفي كل يوم: «الله ثم المليك والوطن». ليست هذه الكلمات الثلاث عبارة حماسية ترددها الألسن، ولا ترتيبًا لفظيًا اقتضته فصاحة القول؛ بل هي بناء متكامل للوعي السعودي، يضع الإيمان، والبيعة، والوطن في مواضعها الصحيحة. فالله هو الغاية العليا، والمليك هو موضع البيعة وعنوان الشرعية، والوطن هو مجال الانتماء والعمل والبذل. وهي مقامات لا تختلط ولا تتنافس: لله العبادة والطاعة المطلقة، وللمليك البيعة والولاء، وللوطن الحب والخدمة والتضحية.
والبدء بالله تعالى هو إعلان عن المرجعية التي تضبط الضمير حين تغيب عنه أعين الناس، وترد القوة إلى العدل، والنعمة إلى الشكر، والعمل إلى الأمانة. فالوطن لا تحميه الأنظمة وحدها، بل يحميه كذلك ضمير يرى أداء الواجب عبادة، وحفظ الأمانة دينًا، والإخلاص في العمل مسؤولية أمام الله قبل أن يكون مسؤولية أمام البشر. ثم يأتي «المليك» قبل الوطن؛ وهنا تكمن دقة العبارة وعمقها. فقد يسأل سائل: لماذا لا نقول الوطن ثم المليك؟ أليس الوطن هو الأرض والناس والتاريخ والذاكرة والمصير؟ والجواب أن تقديم المليك لا يعني إنقاصًا من منزلة الوطن، بل يعني تقديم ما يحفظ الوطن، ويجمع إرادته، ويحرس وحدته، ويصون شرعيته. فالوطن ليس أرضًا صامتة، ولا حدودًا مجردة، ولا مشاعر متناثرة في صدور أبنائه؛ الوطن دولة، والدولة لا تقوم إلا بسلطة شرعية، وقيادة موحدة، وبيعة مستقرة، ونظام تنتظم به الحقوق والواجبات.
المليك في الوعي السعودي ليس شخصًا منفصلًا عن الوطن، وإنما هو رأس الوطن، ورمز وحدته، وموضع بيعة أبنائه، والحارس الأول لاستقلاله واستقراره. وحين يقدم السعودي المليك على الوطن، فإنه يقدم عقد الوحدة على عاطفة الانتماء؛ لأن العاطفة، مهما صدقت، تحتاج إلى شرعية تنظمها، وقيادة تجمعها، ودولة تحولها من شعور في القلب إلى أمن في الأرض، وعدل في الحكم، وعمل في المؤسسات.
لقد عرفت هذه البلاد، قبل توحيدها، أن الأرض قد تبقى بينما تضيع الدولة، وأن الناس قد يتجاورون من غير أن تجمعهم إرادة سياسية واحدة، وأن حب الديار لا يكفي وحده لمنع الفوضى وحماية الحدود وتأمين السبل. ثم جاء المؤسس، فلم يمنح الأرض اسمًا جديدًا وحسب، وإنما منحها دولةً ورايةً وقيادةً ومصيرًا. ولذلك لم تكن البيعة تفصيلًا ملحقًا بالتأسيس، بل كانت قلبه النابض؛ إذ بها انتقلت الولاءات من التفرق إلى الاجتماع، وتحولت القبائل والبلدان والأقاليم إلى شعب واحد تحت قيادة واحدة.
أما «الوطن»، فيأتي بعد ذلك جامعًا ثمار الإيمان والبيعة في واقع حي: أرضًا نذود عنها، ومجتمعًا نحفظ تماسكه، ودولةً نصون مؤسساتها، وتاريخًا نعتز به، ومستقبلًا نشارك في بنائه. فحب الوطن لا يكتمل بالقصائد والأعلام والصور، على جمالها وأهميتها، وإنما يثبت بالعمل والإتقان، واحترام النظام، والمحافظة على المال العام، وأداء المسؤولية، والدفاع عن سمعة البلاد، وتقديم مصلحتها على الأهواء والمصالح الصغيرة.
إن الوطنية الصادقة لا تقاس بارتفاع الصوت، بل بصدق الأثر. قد يكون العامل المتقن في موقعه أكثر وطنيةً من خطيب يملأ المجالس كلامًا، وقد يكون المعلم الذي يبني عقل طفل، والطبيب الذي يصون حياة مريض، والجندي الذي يسهر على الحدود، والباحث الذي ينتج معرفةً نافعة، والموظف الذي يحفظ حق الناس، أبلغ تعبيرًا عن الوطن ممن لا يقدم له سوى العبارات.
واليوم، والمملكة تعيش تحولًا تاريخيًا واسعًا، تتأكد الصلة بين التأسيس والبناء الجديد. فما يجري ليس خروجًا من قصة الدولة في أول عهدها، بل استمرار لها بأدوات العصر. وحد الملك عبدالعزيز الأرض والإرادة، وتعمل القيادة اليوم على توحيد الطاقات والغايات حول مستقبل أكثر قوة وازدهارًا. وإذا كان التأسيس قد نقل البلاد من التفرق إلى الدولة، فإن التحول الراهن ينقلها من الاكتفاء بما تحقق إلى صناعة ما ينبغي أن يتحقق.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول اليوم الوطني إلى احتفال بالماضي وحده؛ فالأوطان الحية لا تجعل تاريخها وسادةً تنام عليها، بل تجعله قاعدةً ترتفع منها. والوفاء للمؤسس لا يكون باستعادة صورته فقط، وإنما باستعادة صفاته: وضوح الغاية، وقوة الإرادة، والصبر على الطريق، والقدرة على تحويل المستحيل إلى واقع. والوفاء للقيادة يكون بالالتفاف حولها، والثقة بمشروعها، والمشاركة الواعية في بناء الوطن، وحماية وحدته من كل خطاب يحاول تمزيقها أو التشكيك فيها.
في اليوم الوطني نحتفل بالسعودية التي ورثناها، وبالسعودية التي نعيشها، وبالسعودية التي نبنيها لأبنائنا. نحتفل بوطن لم يعد مجرد مكان ولدنا فيه، بل هوية نحملها أينما ذهبنا، وذاكرة تسير معنا، وكرامة لا نقبل أن تمس، ومستقبل نرى فيه امتداد أعمارنا.
وحين نقول: «الله ثم المليك والوطن»، فنحن لا نرتب كلمات، بل نعلن ميثاقًا: إيمانٌ يهدي الضمير، وبيعةٌ تجمع الإرادة، ووطنٌ يستحق العمل والتضحية.
فالله فوق كل غاية، والمليك عقد وحدتنا وموضع ولائنا وبيعتنا، والوطن بيتنا الكبير الذي لا بيت لنا سواه. وبين الإيمان والبيعة والانتماء قامت المملكة، وبهذه الثلاثية الراسخة تمضي، آمنةً عزيزةً شامخة، من مجد التأسيس إلى أفق المستقبل.
نحتفل بوطن لم يعد مجرد مكان ولدنا فيه، بل هوية نحملها أينما ذهبنا، وذاكرة تسير معنا، وكرامة لا نقبل أن تمس، ومستقبل نرى فيه امتداد أعمارنا.