عبدالله المليباري

في اليوم الوطني يسهل أن نحكي قصة الصحة بما يمكن رؤيته وعدّه:

مستشفى جديد افتتح، وتقنية حديثة أدخلت، وخدمة نوعية توسعت، وعدد أكبر من المستفيدين تمت خدمتهم. وهي منجزات تستحق الاحتفاء غير أن بعض التحولات الأعمق لا تظهر في مبنى جديد أو جهاز حديث وإنما في حياة إنسان أصبح أكثر صحة، وفي مرض لم يقع، وفي الطريقة التي أصبح الوطن يفكر بها في صحة أبنائه.

لعل ما يحدث اليوم في المملكة يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فلسنوات طويلة كان نجاح أي نظام صحي يقرأ أساساً من قدرته على علاج المرض: عدد المستشفيات والأسرة والأطباء والعمليات والخدمات. كان ذلك ضروريًا في مرحلة بناء القدرة الصحية وتوسيع الوصول إلى الرعاية.

اليوم تدخل المملكة مرحلة أكثر طموحاً تمتد فيها العناية بالإنسان إلى ما قبل المرض، لتصبح الصحة حاضرة في المكان الذي يعيش فيه، والسياسات التي تؤثر فيه، والنظام الذي يتابع رحلته عبر مراحل حياته.

اعتماد 21 مدينة صحية سعودية من منظمة الصحة العالمية من أكثر الشواهد دلالة على هذا التحول. وأهمية الرقم تتجاوز عدد المدن إلى معنى أن تصبح المدينة نفسها جزءًا من صناعة الصحة. فالمدينة الصحية تقوم على فهم واسع للصحة إذ تتشكل صحة الإنسان في بيئته، وتعليمه، وغذائه، وقدرته على الحركة، ومشاركة مجتمعه، والاستعداد للطوارئ، وسهولة الوصول إلى الخدمات.

حين أصبحت جدة والمدينة المنورة أول مدينتين صحيتين مليونيتين في الشرق الأوسط، كان الإنجاز انعكاساً لتكامل مدينة بأكملها بما تضمه من قطاعات ومؤسسات ومجتمع.

هذا من أهم التحولات في مفهوم الصحة، وهو أن تتجاوز مسؤوليتها حدود القطاع الصحي لتصبح جزءًا من طريقة بناء المدينة وإدارة المجتمع. فالقرارات التي تتخذها قطاعات التعليم والنقل والتخطيط الحضري والبيئة قد تصنع للصحة بقدر ما تصنعه بعض القرارات التي تتخذ داخل المنشآت الصحية.

في الاتجاه نفسه تتغير بنية النظام الصحي من الداخل. فانتقال عشرة تجمعات صحية ضمن مراحل التحول المؤسسي إلى شركة الصحة القابضة، يمثل خطوة نحو بناء منظومات رعاية متكاملة ترتبط بسكان محددين، وتتحمل مسؤولية أكبر عن رحلتهم الصحية واستمرارية رعايتهم، ضمن تحول يعيد توزيع أدوار التنظيم والتمويل وتقديم الخدمة.

هنا يلتقي التحولان، فالمدينة الصحية توسع دائرة المسؤولية عن الصحة في المجتمع، والتجمع الصحي يعيد تنظيم مسؤولية تقديم الرعاية. وبينهما يتطور السؤال من عد الخدمات التي قدمناها إلى قياس الأثر الذي أحدثناه في صحة الإنسان.

الرقم الذي يمنح هذا السؤال معناه هو وصول متوسط العمر المتوقع في المملكة إلى 79.7 عامًا. فهذا الرقم حصيلة تراكم طويل شاركت في صنعه الرعاية الصحية والوقاية والتعليم والسلامة والتشريعات وتحسن الظروف المعيشية، ومعها قدرة الدولة والمجتمع على حماية الإنسان عبر مراحل حياته.

مفارقة هذا النوع من الإنجاز أنه أقل ظهورًا للعين. فمن السهل أن نرى مستشفى جديداً، وأن نعدّ أسرّته وخدماته، بينما يصعب أن نرى مرضًا جرى تجنبه، أو مضاعفة تأخرت، أو سنوات أضيفت إلى حياة الإنسان بصحة أفضل. فالوقاية تحقق جزءًا من نجاحها فيما لم يحدث أصلًا، ولذلك قد تبقى إنجازاتها أقل حضورًا في صور التنمية، رغم أن أثرها يمتد إلى حياة الناس لسنوات. ولعل من علامات نضج التحول الصحي أن نتعلم كيف نرى هذا المنجز أيضًا وكيف نقيس ما منعناه إلى جانب ما عالجناه.

الطموح يمتد أبعد من إضافة سنوات إلى العمر، فالمرحلة القادمة تتطلب أن تكون هذه السنوات أكثر صحة وجودة واستقلالية، وأن يصل أثر التحول إلى مختلف المناطق والفئات، وأن تتحول الوقاية من قناعة نتحدث عنها إلى ممارسة يومية تدعمها الحوافز والتمويل والمساءلة.

هنا يأخذ المنجز الوطني معنى أوسع، فالوطن يصنع صحة الإنسان حين يوفر له مستشفى متقدماً عند الحاجة، وحين يعمل في الوقت نفسه على تقليل احتمالات احتياجه إليه، ويجعل الرعاية أقرب إلى حياته، وتتحرك المدينة والمدرسة والطريق والتشريع والنظام الصحي في اتجاه واحد.

في يومنا الوطني المجيد نفخر بما بنيناه، ويستحق الاحتفاء أيضاً ما لا تستطيع صور المشروعات أن تلتقطه بسهولة:

سنوات أكثر صحة، ومرض جرى تجنبه، وحياة أصبحت أكثر أمانًا، ومجتمع أصبحت البيئة المحيطة به أكثر دعمًا لصحته.

فبعد عقود كان التحدي فيها أن نوصل العلاج إلى الإنسان أينما كان، أصبح طموحنا اليوم أكبر:

أن تصل الصحة إليه قبل أن يصل المرض، وهذه قصة تتجاوز حدود قطاع يتغير، إنها قصة وطن يصنع الصحة.