عبدالله محمد آل الشيخ

ليست كل بطولة رياضية، مجرد مباريات تبدأ بصافرة وتنتهي بكأس. فهناك بطولات تتجاوز الملعب، وتتحول مع الأيام إلى ذاكرة ومشاعر ولقاءات بين الشعوب، «كأس الخليج» واحدة منها.

هذه البطولة التي عرفها أبناء الخليج منذ عقود، كبروا معها جيلًا بعد جيل. لم تكن كرة قدم فحسب، كانت موعدًا خليجيًا تتقارب فيه القلوب قبل المنتخبات.. وتعلو فيه المنافسة داخل الملعب، ثم تعود الأخوة بعد صافرة النهاية كما كانت وأقوى.

اليوم، وهي تحضر في جدة يصبح للمشهد مذاق آخر.. جدة التي لا أعرف كيف أكتب عنها دون أن تأخذني بعيدًا إلى شيء من العمر والذكريات.

جدة مدارس الفلاح، وبدايات الصحافة. الشوارع القديمة، والبحر الذي ظل شاهدًا على أجيال مرت من هنا، وتركت شيئًا منها فيه.

«جدة.. كم أنتِ غير»! مدينة تعرف كيف تستقبل ضيوفها، وكيف تجعل القادم إليها يشعر أنه يعرفها منذ زمن.

وحين يجتمع فيها أبناء الخليج، تصبح البطولة أكثر من كرة تتناقلها الأقدام:

تصبح مساءات فرح، مدرجات تنبض، أعلام خليجية تتجاور، وأحاديث رياضية تمتد من الملعب إلى المجالس والمقاهي والبيوت.

في كل مساء يصبح لكأس الخليج صدى.. حديث عن مباراة مضت، وانتظار لأخرى قادمة، فرحة تكبر كلما تقدم منتخبنا السعودي خطوة. وأمل أن تستمر خطواته حتى النهاية.

وهنا يأتي دور جمهور جدة.. ذلك الجمهور الذي عرفناه عاشقًا للرياضة، حاضرًا في المواعيد الكبيرة، وصانعًا لجزء من جمالها.

منتخب الوطن اليوم لا يحتاج منا متابعة النتائج فقط، بل يحتاج إلى المدرج السعودي، ممتلئًا بالصوت والراية والحماس.

الجمهور في مثل هذه البطولات ليس متفرجًا، إنما لاعب آخر لا يظهر اسمه في كشف المباراة، لكنه قد يصنع الفارق.

وسط هذه الأجواء، تستوقفني فكرة جميلة، كم من الأفكار تبدأ صغيرة، ثم تكبر حتى تصبح جزءًا من ذاكرة الناس؟

هنا يحضر اسم الأمير خالد الفيصل -حفظه الله وشافاه وعافاه- والفكرة التي ارتبطت بانطلاقة هذه الدورة، ثم مضت السنوات وبقي صداها حيًا. ولعل أجمل ما يمكن أن يشعر به صاحب فكرة هو أن يراها بعد عقود ما زالت شابة، تجمع الناس وتفرحهم وتعيد إلى مدينة مثل جدة شيئًا من وهجها وحيويتها.

تتغير الأجيال، تتغير أسماء اللاعبين والمدربين، تتطور الملاعب ووسائل النقل والبث والإعلام، لكن شيئًا واحدًا لا يتغير:

(فرحة الناس حين يجتمعون على المحبة). هذه في ظني واحدة من أجمل رسائل الرياضة..

أما جدة، فستبقى جدة.. بحرها وأهلها، ذكرياتها ولياليها التي تعرف كيف تمنح الفرح نكهته الخاصة.

فيا جمهور جدة وأهلها ومحبيها: هذه أيامكم، هذا منتخبكم، وهذه مدينتكم التي تستضيف إخوة الخليج.. املأوا المدرجات..

وارفعوا الراية، وشجعوا بروح الرياضة وجمالها، دعوا ضيوف الخليج يعودون إلى أوطانهم وهم يقولون:

لعبنا كأس الخليج في جدة... وكانت جدة كما عرفناها.. غير.

اللهم احفظ وطننا وأوطان الخليج وأهلها، وأدم بين شعوبها المحبة والألفة، واجعل الرياضة دائمًا جسرًا يجمع ولا يفرق.

وفرحًا يليق بأهل الخليج.

وسلامٌ على جدة.. كلما أعادت إلينا شيئًا جميلًا من فرح وسعادة العمر.