مريم النويمي

تزدحم الشوارع بالفرح، ترتفع الأعلام، ويتجدد شعورنا بالفخر والانتماء. نستعيد ماضينا وندرك فضل الله علينا، فنحمده ونعمل بكل حب للحفاظ على وطن أعطانا الشعور بالأمان في عز القلق. لكن هذا الفرح يفقد معناه حين يتحول بعضه إلى سلوك يعرّض الأرواح للخطر أو يعطّل الطرق ويؤذي الآخرين.

صباح الخميس الماضي، عقب الاحتفال بيومنا الوطني، وأنا في طريقي إلى عملي، رأيت شاباً لا يتجاوز العشرين من عمره يُنقل لقسم الطوارئ لتلقي الرعاية بعد سقوطه من السيارة. أُصيب بكسور في ساقيه، الإصابة لم تكن في رأسه، لكنه كان مشهداً مؤلماً، يذكّرنا بأن لحظة من التهور قد تترك أثراً طويلاً في حياة شاب وأسرته.

تتضاعف مرارة هذه المشاهد حين نسمع عن شاب توفي بعدما حاول رفع علم سقط على الأرض، فتعرّض للدهس. كان يريد أن يحفظ للعلم مكانته، لكن الطريق لم يكن آمناً، وكانت النتيجة فقدان حياة. إذا سقط العلم في طريق مزدحم، لا ينبغي لأحد أن يعرض نفسه للدهس لاستعادته، بل يُترك التعامل معه للجهات المختصة أو المنظمين بعد تأمين الموقع. كذلك يجب الحفاظ على قيمة العلم، هو ليس وشاحا للرقص، بل راية راسخة يجب أن تبقى عالية، راية التوحيد تُثبت في مكان يضمن عدم سقوطها، تظل راسخة ترفرف بشموخ يعانق السماء.

هذه الحوادث ليست مصادفة، فالتعلق بالسيارات أو الوقوف عليها أثناء سيرها، والتجمهر في الطرق، وإغلاق المسارات، ومحاولة التقاط الأعلام أو الأغراض من وسط حركة المرور، كلها تصرفات، طائشة قد تنتهي بإصابة خطرة أو وفاة. كما أن إعاقة الطريق قد تؤخر وصول إسعاف إلى مريض، أو تعطل أشخاصاً لا ذنب لهم في الزحام.

استنفار في كل الهيئات المسؤولة عن سلامة المواطن، هيئة الهلال الأحمر وزعت سياراتها ومسعفيها في كل الأماكن التي يتجمع فيها المحتفلون، لإسعاف أي إصابة محتملة، أعلنت عن مشاركة 2000 مقدم خدمة إسعافية، و638 وحدة إسعاف، و400 متطوع، و600 آلية مشاركة، موزعة على 280 موقعًا للاحتفال، بمشاركة 60 شريكًا، لدعم سلامة المحتفلين في مواقع الفعاليات. إدارة المرور أطلقت حملات توعية، منعت التجمهر وإغلاق الطرقات، لكن يأبى الشباب إلا أن يبقوا في الطرقات، لساعات طويلة، لكثرة السيارات، فالبعض يحتفل، والآخر يحاول الوصول إلى منزله الواقع في الشارع الخلفي، بعد يوم عمل طويل. هناك أناس يعملون، سعداء بأنهم يخدمون الوطن في يومه السعيد، يتفقون على ارتداء اللون الأخضر، رمزاً للحب والانتماء، والمشاركة، وعند عودتهم إلى منازلهم علقوا في الشوارع، بعضهم اضطر لإيقاف سيارته، بعيداً ، ومضى إلى منزله مشياً على الأقدام، كحلٍ ممكن.

الأشخاص الأكثر نضجاً، اختاروا أن يحتفلوا في بيوتهم، أو في الأماكن العامة، لكنهم لم يتجمهروا في الشوارع، لم يعيقوا حركة الطريق، لم يخاطروا بأنفسهم. من يجلس على نافذة السيارة وهي تسير، مشروع منتحر، أو كمن ألقى بنفسه إلى التهلكة. من يرقص بين السيارات، أو فوق سطح سيارة متحركة، ماذا يتوقع؟! وعي المواطن مهم، وعي هو جزء من محبة وطنه، حتى الفرح مسؤولية.

حب الوطن ليس بجرأة التصرف أو بإغلاق الطريق، بل بما نُظهره من مسؤولية وحرص على حياة أبنائه.

ليكن يومنا الوطني فرحاً آمناً، نرفع فيه الراية من دون أن نعرّض أبناء الوطن للخطر، نحتفل به في أماكن تليق بالفرح وتحفظ حق الجميع. المخاطرة قد تبدو في لحظتها مشهداً بطولياً أو مغامرة تستحق التصفيق، لكنها في الحقيقة اختصار الطريق بين الفرح والفقد.

الاحتفال الحقيقي يترك في الذاكرة ابتسامة وصورة جميلة وفخراً، لا سريراً في المستشفى أو مقعداً خالياً في منزل.

ليكن يومنا الوطني فرحاً آمناً، نرفع فيه الراية من دون أن نعرّض أبناء الوطن للخطر، نحتفل به في أماكن تليق بالفرح وتحفظ حق الجميع.

@seniordoctor