إحساس الفرد بأن الفضاء العام مرصود يولد سلوكا أكثر انضباطا لدى غالب الناس. ظاهرة استخدام كاميرات المراقبة للجهات الرسمية لا أحد يشكك في أهميتها، لكن الإشكالية أن الأفراد العاديين أصبحوا يستخدمونها- أحيانا- داخل منازلهم بصورة مبالغ فيها، ويمكن القول إنها صورة غير صحية. بيوتنا أصبحت محاصرة من الداخل والخارج بكاميرات المراقبة. كاميرا عند الباب الخارجي وحول الأسوار وكل بقعة من فناء المنزل تحت الرقابة الصارمة. الكاميرات دخلت المنزل، أصبحت تراقب الصالة والممرات الداخلية وغرف الأطفال والمطبخ. والسيارة نفسها أصبحت مدججة بالكاميرات، هناك كاميرا داخلية وخارجية، أمامية وخلفية تراقب وتوثق كل سلوك داخل السيارة.
أصبح لدينا وهم (التحكم والسيطرة) وتحول رب الأسرة إلى «مراقب» يتابع شاشته باستمرار، حتى وهو خارج المنزل كل كاميرات المراقبة داخل المنزل تنقل له بثا مباشرا، كل شاردة وواردة داخل منزله: في المطبخ وغرف الأطفال وصالة المعيشة وغرفة الغسيل، ما يولد لدى المراقب نوعا من السلوك القهري حيث يجد نفسه يراجع البث والمقاطع بشكل متكرر يوميا، ما يرفع معايير الشك لديه بدلا من منحه الطمأنينة المرجوة.
وجود كاميرات تعمل 24 ساعة داخل المنزل في الممرات والغرف، حتى لو كان لغرض حماية الأطفال والممتلكات، يزرع في الوعي الباطني حقيقة أن كل فرد مراقب ومرئي داخل المنزل. هذا الشعور يفقد البيت خاصيته الأساسية بوصفه «ملجأ نفسي»، ويجبر أفراد الأسرة - دون وعي - على ممارسة نوع من الرقابة الذاتية والتكلف في سلوكهم الخاص داخل جدران منزلهم وفي المكان الذي يفترض أنه الأكثر حميمية وفطرية.
تربية الأطفال في بيئة مرصودة عبر البث المباشر تفرض عليهم تصنع السلوك. فتلقائية الإنسان هي سر راحته النفسية، والشعور الدائم أن هناك عينا تراقب وتسجل الأفعال، يؤدي إلى فقدان السلوك العفوي داخل المنزل. أن يلبس ويتصرف ويغضب بعفوية مطلقة. حتى الخلاف والشجار بين الأفراد داخل غرف المنزل أمر طبيعي لا يستدعي الرقابة والتوثيق، رؤية أفراد الأسرة لبعضهم في حالات الضعف والتعب والعفوية في قبول غير مشروط يولد علاقات أكثر عمقا ودفئا.
المبالغة في نشر الكاميرات داخل المساحات الخاصة المعتادة (صالات المعيشة والممرات الداخلية وغرف الأطفال) تفقد المنزل حميميته، والاستخدام العقلاني يقتضي حصرها في نقاط الدخول الخارجية: البوابات والأسوار، والإبقاء على داخل المنزل مساحة حرة خالية تماما من أجهزة التسجيل، للحفاظ على خصوصية المنزل، ويضمن لأفراد المنزل سلوكا عفويا خاليا من التكلف.