سلطان الشمري
لم تكن المجالس في ثقافتنا العربية مجرد أمكنة يلتقي فيها الناس، ولا مقاعد ينفضّ عنها الجمع بانتهاء الحديث، بل كانت ذاكرة حيّة للكلمة، ومساحة يلتقي فيها الشعر بالحكمة، والخبر بالتجربة، والإنسان بالإنسان. وفي الجزيرة العربية كان للمجلس حضور متجذر في حياة الناس؛ ففيه تُروى الأخبار، وتُحفظ القصائد، وتُستعاد الحكايات، وتعبر التجارب من جيل إلى آخر، حتى بدا المجلس في بعض أدواره كتابًا مفتوحًا، صفحاته وجوه الناس، وسطوره ما تختزنه ذاكرتهم من حياة.
وفي المجتمع السعودي ظل المجلس أبعد من أن يكون موضعًا للضيافة؛ كان جزءًا من ذاكرة المكان وروحه. في مجالس المدن والقرى والبادية تناقلت الأجيال الشعر والحكايات والقيم والخبرات، وتعلّم الأبناء من الآباء وكبار السن أشياء لا تمنحها الكتب وحدها. هناك بقيت أسماء الأمكنة، وذكريات الناس، وتفاصيل الحياة وتحولاتها حاضرة في الوجدان؛ فذاكرة الأوطان لا تسكن الوثائق وحدها، بل تعيش كذلك في صوت راوٍ يستعيد حكاية، وفي بيت شعر يحفظ موقفًا، وفي قصة صغيرة قد تختصر زمنًا كاملًا.
لم تكن قيمة المجلس في حفظ الماضي فحسب، بل في تلك الصلة الإنسانية التي يصنعها بين الأجيال؛ فالصغير يجلس إلى الكبير، والتجربة تجد من يصغي إليها، والكلمة تأخذ وقتها قبل أن تعبر إلى ذاكرة أخرى.
حين اتسعت حركة التعليم والتدوين لم تختفِ ثقافة المجلس أمام الكتاب، بل سارت إلى جواره، ثم تبدلت صورته مع الصحافة والإذاعة والنوادي والملتقيات والمؤسسات الثقافية، وصولًا إلى المنصات الرقمية التي صنعت مجلسًا جديدًا لا تحده جدران ولا مدينة.
أصبح الوصول إلى المعرفة اليوم أقرب من أي وقت مضى؛ كتاب يصل إلينا في لحظات، ومحاضرة نعبر إليها من شاشة، وحوار يمتد بين أشخاص تفصل بينهم آلاف الكيلومترات. ومع ذلك يبقى شيء من سحر المجلس القديم عصيًا على التقنية؛ ذلك الحضور الإنساني الذي يمنح الكلمة دفئها، والصمت معناه، والإنصات قيمته. ربما لا نحتاج إلى استعادة المجلس بصورته القديمة بقدر ما نحتاج إلى استعادة روحه؛ أن نمنح الفكرة وقتها، والكلمة معناها، والآخر مساحة نستمع فيها إليه، لأن بعض المعرفة لا تولد من كثرة الكلام، بل من جودة الإصغاء.
اليوم تشهد المملكة حراكًا ثقافيًا واسعًا ، اتسعت معه مساحات الأدب والفنون والتراث والكتاب والمتاحف والفعاليات الثقافية، أصبحت الثقافة أكثر حضورًا في المشهد الوطني. وما يمنح هذا الحراك معناه الأعمق أنه لا يبدأ من فراغ، بل يستند إلى ذاكرة وطنية ثرية؛ من الشعر والحكاية والموروث الشفهي إلى الآثار والمخطوطات والفنون والعمارة، لتلتقي أصالة المكان بأدوات العصر، ويصبح الماضي نافذة نطل منها على المستقبل، لا جدارًا نتوقف عنده.
ما كان يُروى يومًا في مجلس محدود يمكن اليوم أن يُوثق ويُحفظ ويصل إلى أجيال لم تجلس إلى رواته، فتمنح التقنية للذاكرة عمرًا آخر، وتمنح المؤسسات الثقافية للحكاية مساحة أبعد من المكان الذي ولدت فيه. وهنا تتجلى قيمة الثقافة الوطنية؛ ألا تحفظ الماضي في خزائن الذاكرة فحسب، بل تمنحه حياة جديدة، وتجعله حاضرًا في وعي الأجيال وهي تصنع مستقبلها.
بين مجلس الأمس وفضاءات الثقافة اليوم يمتد خيط لا ينقطع؛ خيط يصل الإنسان بأرضه وذاكرته وهويته. فالثقافة ليست كثرة ما يُقال، وإنما ما يبقى من الكلمة بعد أن ينتهي الحديث، وما يظل من المكان في القلب بعد أن نغادره، وما تعبر به الحكاية من جيل إلى جيل دون أن تفقد دفئها الأول.
في وطن يمضي إلى مستقبله بطموح، لا نحمل معنا ذاكرة الأمس لنقيم فيها، بل لنضيء بها الطريق؛ فالأوطان التي تعرف حكايتها تمضي أبعد، والجذور الراسخة لا تعيق الشجرة عن بلوغ السماء، بل تمنحها القدرة على الارتفاع.
هكذا تظل الثقافة ذاك الضوء الممتد بين أول الحكاية وآخرها، وتظل مجالسنا، مهما تبدلت صورها، نافذة يطل منها الماضي على المستقبل، فيما يمضي الوطن إلى غده حاملًا ذاكرته في قلبه، وأفقه أمام عينيه.
وفي المجتمع السعودي ظل المجلس أبعد من أن يكون موضعًا للضيافة؛ كان جزءًا من ذاكرة المكان وروحه. في مجالس المدن والقرى والبادية تناقلت الأجيال الشعر والحكايات والقيم والخبرات، وتعلّم الأبناء من الآباء وكبار السن أشياء لا تمنحها الكتب وحدها. هناك بقيت أسماء الأمكنة، وذكريات الناس، وتفاصيل الحياة وتحولاتها حاضرة في الوجدان؛ فذاكرة الأوطان لا تسكن الوثائق وحدها، بل تعيش كذلك في صوت راوٍ يستعيد حكاية، وفي بيت شعر يحفظ موقفًا، وفي قصة صغيرة قد تختصر زمنًا كاملًا.
لم تكن قيمة المجلس في حفظ الماضي فحسب، بل في تلك الصلة الإنسانية التي يصنعها بين الأجيال؛ فالصغير يجلس إلى الكبير، والتجربة تجد من يصغي إليها، والكلمة تأخذ وقتها قبل أن تعبر إلى ذاكرة أخرى.
حين اتسعت حركة التعليم والتدوين لم تختفِ ثقافة المجلس أمام الكتاب، بل سارت إلى جواره، ثم تبدلت صورته مع الصحافة والإذاعة والنوادي والملتقيات والمؤسسات الثقافية، وصولًا إلى المنصات الرقمية التي صنعت مجلسًا جديدًا لا تحده جدران ولا مدينة.
أصبح الوصول إلى المعرفة اليوم أقرب من أي وقت مضى؛ كتاب يصل إلينا في لحظات، ومحاضرة نعبر إليها من شاشة، وحوار يمتد بين أشخاص تفصل بينهم آلاف الكيلومترات. ومع ذلك يبقى شيء من سحر المجلس القديم عصيًا على التقنية؛ ذلك الحضور الإنساني الذي يمنح الكلمة دفئها، والصمت معناه، والإنصات قيمته. ربما لا نحتاج إلى استعادة المجلس بصورته القديمة بقدر ما نحتاج إلى استعادة روحه؛ أن نمنح الفكرة وقتها، والكلمة معناها، والآخر مساحة نستمع فيها إليه، لأن بعض المعرفة لا تولد من كثرة الكلام، بل من جودة الإصغاء.
اليوم تشهد المملكة حراكًا ثقافيًا واسعًا ، اتسعت معه مساحات الأدب والفنون والتراث والكتاب والمتاحف والفعاليات الثقافية، أصبحت الثقافة أكثر حضورًا في المشهد الوطني. وما يمنح هذا الحراك معناه الأعمق أنه لا يبدأ من فراغ، بل يستند إلى ذاكرة وطنية ثرية؛ من الشعر والحكاية والموروث الشفهي إلى الآثار والمخطوطات والفنون والعمارة، لتلتقي أصالة المكان بأدوات العصر، ويصبح الماضي نافذة نطل منها على المستقبل، لا جدارًا نتوقف عنده.
ما كان يُروى يومًا في مجلس محدود يمكن اليوم أن يُوثق ويُحفظ ويصل إلى أجيال لم تجلس إلى رواته، فتمنح التقنية للذاكرة عمرًا آخر، وتمنح المؤسسات الثقافية للحكاية مساحة أبعد من المكان الذي ولدت فيه. وهنا تتجلى قيمة الثقافة الوطنية؛ ألا تحفظ الماضي في خزائن الذاكرة فحسب، بل تمنحه حياة جديدة، وتجعله حاضرًا في وعي الأجيال وهي تصنع مستقبلها.
بين مجلس الأمس وفضاءات الثقافة اليوم يمتد خيط لا ينقطع؛ خيط يصل الإنسان بأرضه وذاكرته وهويته. فالثقافة ليست كثرة ما يُقال، وإنما ما يبقى من الكلمة بعد أن ينتهي الحديث، وما يظل من المكان في القلب بعد أن نغادره، وما تعبر به الحكاية من جيل إلى جيل دون أن تفقد دفئها الأول.
في وطن يمضي إلى مستقبله بطموح، لا نحمل معنا ذاكرة الأمس لنقيم فيها، بل لنضيء بها الطريق؛ فالأوطان التي تعرف حكايتها تمضي أبعد، والجذور الراسخة لا تعيق الشجرة عن بلوغ السماء، بل تمنحها القدرة على الارتفاع.
هكذا تظل الثقافة ذاك الضوء الممتد بين أول الحكاية وآخرها، وتظل مجالسنا، مهما تبدلت صورها، نافذة يطل منها الماضي على المستقبل، فيما يمضي الوطن إلى غده حاملًا ذاكرته في قلبه، وأفقه أمام عينيه.