سقوط صنعاء لم يكن حدثًا عابرًا في وجدان المخلصين من أبناء اليمن، الذين طلبوا العون من الله ثم من الجار الوفي، المملكة العربية السعودية، بعدما امتدت يد الحوثيين نحو عدن، وبات الخطر يهدد الدولة اليمنية وأمن المنطقة. فجاء التدخل السعودي ضمن تحالف عربي في مارس 2015، عبر عملية «عاصفة الحزم»، استجابة لطلب الرئيس اليمني آنذاك، دفاعًا عن الشرعية، وإسنادًا لتطلعات اليمنيين إلى وطن عربي حر ومستقر، لا مكان فيه للوصاية أو التبعية.
بعد نجاح التحالف في دحر الحوثيين عن عدن ومناطق أخرى، واصلت المملكة جهودها عبر عملية «إعادة الأمل»، التي جمعت بين دعم الحكومة اليمنية والمسارات السياسية والدبلوماسية والإغاثية، ومساندة جهود إنعاش الاقتصاد، ونزع الألغام، وإعادة الإعمار، وصولًا إلى استعادة الدولة واستقرارها.
لكن المتتبع لمسارات الأحداث على مدى أكثر من عشر سنوات يجد أن رياح الأمل لم تكن تهب على اليمن من جميع الجهات؛ فقد أصبح البلد ساحة تتقاطع فيها المصالح والمشاريع، بين إيران التي استمرت في دعم الحوثيين بالسلاح والخبرات، كما تكشف شحنات الأسلحة المهربة المضبوطة بين حين وآخر، وأطراف تبحث عن موطئ قدم لأحلامها الصغيرة على حساب وحدة اليمن واستقراره، فيما يدفع الشعب اليمني ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل.
أما السعودية، فلم تتوقف عن تقديم الدعم السياسي والإنساني، أملًا في لمّ شمل اليمنيين وتحقيق تطلعات الشعب اليمني إلى وطن آمن ومستقر.
وفي المقابل أثارت بعض تدخلات الأمم المتحدة انتقادات واسعة، باعتبار أنها منحت الحوثيين فرصًا لتثبيت نفوذهم تحت عناوين إنسانية. ولعل اتفاق ستوكهولم في ديسمبر 2018 أبرز الأمثلة؛ فقد جاء بينما كانت قوات الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا والقوات المتحالفة معها تتقدم لاستعادة الحديدة ومينائها الاستراتيجي، قبل أن تتوقف العمليات العسكرية استجابة للمساعي الأممية. ورغم أن الهدف المعلن كان حماية المدنيين، فإن الاتفاق لم يحقق الانسحاب المنشود، وبقي الحوثيون محتفظين بنفوذهم، فيما تحول إلى طوق نجاة أتاح للجماعة إعادة ترتيب صفوفها.
والمثير للاستغراب أن جماعة مسلحة خرجت على الحكومة الشرعية، وارتبطت بمشروع عابر للحدود، ورفعت منذ نشأتها شعارات العداء لأمريكا وإسرائيل، لم تواجه طوال سنوات مستوى موحدًا من التصنيف والعقوبات الدولية كالذي واجهته تنظيمات إرهابية أخرى، مثل داعش والقاعدة.
بل إن بعض المواقف الدولية أفضت إلى ترسيخ نفوذ هذه الجماعة، في بلد يشرف على مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم. وقد أثبتت هجماتها المتكررة على السفن التجارية وناقلات النفط أن خطرها تجاوز اليمن إلى أمن الملاحة الدولية ومصالح عشرات الدول.
فهل كان هذا التساهل مجرد إخفاق دولي، أم إن وراءه حسابات سمحت للجماعة بالتمدد حتى بات العالم يواجه تبعاتها؟
وهنا يبرز سؤال آخر: كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يطالب باحترام سيادة الدول وشرعية حكوماتها، ثم تنتهي بعض تدخلاته إلى تكريس سلطة الجماعات المسلحة الخارجة عليها؟
استمرار ازدواجية المعايير والتعامل الانتقائي مع القرارات الدولية يهددان بتآكل الثقة بالمنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، وفقدانها تدريجيًا مرجعيتها الأخلاقية والقانونية.
اليمن لا يحتاج إلى هدنة تمنح الميليشيات فرصة لالتقاط أنفاسها، ولا إلى تسويات تفتح أبوابًا جديدة لتقاسم النفوذ، وإنما إلى سلام يعيد للدولة سيادتها، وللمواطن كرامته، وللأجيال حقها في مستقبل لا تحكمه البنادق ولا تصادره المشاريع العابرة للحدود.