ليست كل الأشياء التي تستحق الحذر تبدو كذلك. بعضها يدخل حياتنا من الباب الذي اعتدنا أن نتركه مفتوحاً، لأننا نعرفه، أو نظن أننا نعرفه. والمألوف يحصل أحياناً على امتياز لا يحصل عليه الغريب؛ فلا نطلب منه أن يعرّف نفسه كل مرة.

وهذا ليس عيباً في الثقة. فلولاها لتحولت العلاقات إلى سلسلة طويلة من إجراءات التحقق، وفقدت الحياة شيئاً من بساطتها. لكن الثقة، مثل كثير من الأشياء الجميلة، قد تصبح موضع اختبار حين يعرف أحدهم كيف يستفيد منها أكثر مما يستحق.

ولعل من أطرف صور ذلك بعض العبارات التي تختزل فلسفة كاملة في كلمتين. ومنها عبارة: «خلك ذيب». وهي في أصل تداولها قد تكون مدحاً للفطنة والشجاعة والقدرة على حماية النفس والمصالح. لكن بعض الاستخدامات أضافت إليها معاني أخرى؛ فأصبحت الجرأة أحياناً مبرراً لتجاوز الحدود، والدهاء اسماً آخر للالتفاف، والفطنة وسيلة للوصول إلى ما لا ينبغي الوصول إليه.


في بعض البيئات التي يختلط فيها الطموح بالفرص غير المتكافئة، قد يجد صاحب المبدأ نفسه أمام طريقين. أحدهما طويل، واضح، يقوم على الاحتراف والثبات، لكنه لا يقدم وعوداً سريعة. وقد يمضي فيه صاحبه زمناً قبل أن يرى ثماره، وربما دخل في بعض مراحله نفقاً شديد الظلمة، لكنه يواصل السير مؤمناً بأن الوصول المتأخر بكرامة خير من وصول سريع يترك خلفه أسئلة لا يريد أن يجيب عنها.

وفي الطريق الآخر تبدو الأمور أكثر سهولة. مكاسب أسرع، خطوات أقصر، وقدرة لافتة على قراءة ما يرضي أصحاب القرار قبل قراءة ما تقوله القواعد. هناك يمكن أن تُختصر سنوات في قفزات قليلة، حتى يتساءل المرء أحياناً: هل نحن أمام موظف طموح، أم أمام ذئب اكتشف أن المصعد أسرع من السلالم؟

وهنا، بطريقة ما، تعود بنا الذاكرة إلى قصة عرفناها صغاراً. إلى حكاية ليلى والذئب.

تلك الفتاة التي خرجت عبر الغابة إلى بيت جدتها، ثم وجدت نفسها أمام ذئب لم يعتمد على قوته وحدها، بل اختار طريقاً أكثر التواءً. سبقها إلى البيت، والتهم الجدة، ثم ارتدى ثيابها واستلقى في مكانها وانتظر. لم يكن يريد أن تصل إليه ليلى خائفة، كان يريدها أن تصل إليه مطمئنة.

وربما لهذا بقيت الحكاية حية بعد كل هذه السنين. فالجدة ليست مجرد شخصية تنتظر حفيدتها في نهاية الغابة، بل يمكن أن نراها صورة لما يطمئن إليه الناس ويحفظونه من قيم ومكتسبات: النزاهة والمحبة والموثوقية والأمان. أما ليلى، فتحمل حسن الظن الذي يجعل الإنسان يطمئن إلى الأشياء حين تأتيه في صورتها المألوفة.

هنا تصبح الحيلة أهم من الأنياب. فالذئب لم يحاول أن ينتزع ثقة ليلى بالقوة؛ كانت الثقة موجودة أصلاً، وكل ما فعله أنه عرف كيف يستفيد من الصورة التي جاءت بها.

وهذا ما يجعل بعض صور التجاوز أكثر صعوبة في اكتشافها. فهي لا تأتي دائماً صاخبة أو فاضحة، بل قد تصل مرتبةً وأنيقةً وممهورةً بما يكفي من التبريرات. وقد لا يكون الخلل في غياب القواعد، بل في طريقة استخدامها؛ يُستدعى النص حين يخدم الغاية، وتظهر «المرونة» حين يصبح النص عائقاً أمامها.

مع الوقت، قد تتغير أسماء الأشياء من دون أن تتغير حقيقتها. يصبح الاستثناء استحقاقاً، والمجاملة حكمة، والانتهازية شطارة. وحين تتكرر هذه اللغة بما يكفي، قد يصبح ما كان مستهجناً جزءا من المشهد اليومي، ويصعب على العين أن تميّز الذئب إذا اعتادت رؤية ثياب الجدة.

لكن الذئب، مهما أتقن الحيلة، لم يحسب حساب الفأس.

فبعد أن بدا كل شيء في مكانه، وانطلت الخديعة على من كان في الغابة، جاءت لحظة لم يعد فيها المظهر كافياً. ظهرت الحقيقة، وانتهى الوقت الذي كان فيه الذئب قادراً على الاحتماء بصورة الجدة. عندها لم تعد المسألة بحاجة إلى مزيد من التأويل؛ كان لا بد من فعل يعيد الأشياء إلى حقيقتها.

لعل هذا هو الدرس الأهم في الحكاية. فحين تتعقد الحيلة، لا يكفي أن نكتشف أن هناك شيئاً غير طبيعي، بل نحتاج إلى من يملك القدرة على إيقافه، وإلى مساءلة لا تتردد أمام المظهر المطمئن، ولا تكتفي بأن كل شيء يبدو صحيحاً من الخارج.

فالرقابة الحقيقية لا تكتفي بالنظر إلى ثياب الجدة، بل تسأل عمن يرتديها.