لم يعد السؤال الذي يؤرقنا اليوم: أين تشتعل الحروب؟ بل أصبح: أين بقي للإنسان مكان يأمن فيه على نفسه وأسرته وأطفاله؟ عالم تتسع فيه دوائر الخوف، وتتعدد فيه الجبهات، وتُستهدف فيه منشآت مدنية ومطارات ومساكن؛ حتى بات الإنسان ينام على أمل أن يستيقظ، ويخرج من منزله وهو لا يدري هل يعود إليه أم لا..! وما أشد الألم حين تمتد هذه الاعتداءات إلى وطننا الغالي المملكة العربية السعودية، وطن الأمن والاستقرار الذي اختار البناء والتنمية والسلام، وسخّر إمكاناته لخدمة الإنسان، فإذا به يواجه اعتداءات تهدد سلامة مواطنيه والمقيمين على أرضه، وتطال مرافق مدنية يفترض أن تبقى بعيدة عن ميادين القتال.

وقد شهدت الأيام الأخيرة هجمات على مطارات سعودية، كان أشدها الهجوم على مطار الملك خالد الدولي بالرياض يوم العاشر من أكتوبر، الذي أعلنت السلطات السعودية أنه أوقع اثني عشر قتيلًا ومئات المصابين، وحمّل التحالف الحوثيين مسؤولية الهجوم.

وهنا نقف أمام سؤال لا يجوز أن يضيع بين البيانات والتصريحات: أي قضية يمكن أن تبرر تعريض مسافر آمن أو طفل بريء أو عامل يؤدي واجبه لخطر الموت؟ إن الخلافات السياسية مهما بلغت حدتها لا تمنح أحدًا حق الاعتداء على الأبرياء..ولا تجعل المطارات المدنية أو المستشفيات أو المدارس أهدافًا مشروعة. والمؤلم أن جماعات مسلحة وميليشيات استطاعت عبر سنوات من الصراع أن تعيد ترتيب صفوفها وأن تصبح أسلحتها عامل تهديد يتجاوز حدود البلدان التي تنشط فيها.


وهنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي في مراقبة تدفقات السلاح والتمويل والتحقق من مصادرها، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في دعم الاعتداءات على المدنيين الآمنين.

وأنا هنا لست أدعو إلى حرب جديدة ولا إلى توسيع دائرة النار، فما أكثر ما اكتوت به منطقتنا من الحروب؛ وإنما أدعو إلى موقف دولي واضح، لا يكتفي بعبارات القلق والإدانة ثم ينتظر الاعتداء التالي ليكرر العبارات نفسها..! فالسلام لا تحميه البيانات وحدها كما أن الصمت عن الاعتداءات لا يصنع سلامًا دائمًا.

وكم يؤلمنا أن نرى ما يجري في بلدان عديدة..من اليمن إلى السودان وفلسطين وغيرها من مآسٍ إنسانية تتشابه فيها الوجوه وإن اختلفت أسباب الصراعات وأطرافها.

أمهات فقدن أبناءهن وآباء خرجوا بحثًا عن لقمة عيش فلم يعودوا، وأطفال حُرموا مدارسهم، وشيوخ قضوا أعمارهم في بناء بيوتهم فإذا بهم يتركونها هربًا من الموت، ومرضى ينتظرون دواءً قد لا يصل..! وأسر تحمل ما استطاعت من متاعها وتمضي إلى المجهول.

أي عالم هذا الذي أصبحت فيه الخيمة حلمًا لمن فقد منزله، ورغيف الخبز أمنية لمن حاصرته الحرب، وليلة النوم الهادئة نعمة يتمناها الملايين؟ لقد عشنا سنوات طويلة وشهدنا أزمات وحروبًا وسمعنا وعودًا كثيرة بالسلام؛ لكن المؤلم أن بعض المآسي تتكرر وكأن البشرية لم تتعلم من تاريخها ما يكفي.

وليس أخطر من الحرب إلا أن يعتاد الناس أخبارها وأن تصبح أعداد الضحايا مجرد أرقام تتصدر نشرات الأخبار ثم تُنسى مع نشرة أخرى.

إننا في المملكة قيادةً وشعبًا نعتز بما أنعم الله به علينا من أمن واستقرار ونقدّر ما تبذله قيادتنا بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان من جهود لحماية الوطن ومكتسباته والمضي في مسيرة البناء والتنمية. ومن حق وطننا بل من واجبه أن يحمي أرضه ومواطنيه والمقيمين فيه، وأن يتخذ من الإجراءات المشروعة ما يكفل أمنه وسيادته، مع المحافظة على المبادئ الإنسانية التي تجعل حماية المدنيين واجبًا لا استثناء فيه.

وأقولها هنا بوضوح: إن الشعب اليمني الشقيق ليس خصمًا لنا بل هو شعب نتألم لمعاناته، ونتمنى له الأمن والوحدة والاستقرار، وأن تنتهي سنوات محنته، ويعود إلى بناء وطنه بعيدًا عن السلاح والانقسام والتدخلات.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه المؤسسات الدولية والقوى المؤثرة ليس فقط: كيف نوقف إطلاق النار؟ بل أيضًا: كيف نمنع أسباب تجدٌد الحرب؟ وكيف نضمن ألا تتحول فترات التهدئة إلى فرص لإعادة التسلح والاستعداد لجولات أشد قسوة؟ إن المطلوب سلام عادل تصونه ضمانات حقيقية وتدعمه مسؤولية دولية وترافقه محاسبة لكل من يستهدف المدنيين أيًا كان انتماؤه أو الجهة التي تقف وراءه.

وأمام كل ما نشهده أعود إلى تلك الصورة التي لا تفارق الخاطر: طفل يركض فزعًا من صوت انفجار، وأم تحتضن أبناءها، وشيخ يرفع يديه إلى السماء لا يطلب مالًا ولا جاهًا وإنما يسأل الله ليلة آمنة.

ترى كم نحتاج من المآسي حتى ندرك أن الأمن ليس ترفًا وأن حياة الإنسان أثمن من كل خلاف؟ لقد قال الله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أوفساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا﴾ [المائدة: 32].

وما أعظمها من رسالة تضع حرمة النفس البشرية فوق حسابات المصالح والصراعات.

وأخيرًا: لا نريد أن نورّث أبناءنا وأحفادنا خرائط جديدة للحروب، ولا قوائم أطول للضحايا ولا ذكريات عن أوطان كانت آمنة فأصبحت ركامًا.

نريد عالمًا يستطيع فيه الطفل أن يحمل حقيبته المدرسية بدلًا من حقيبة النزوح، وأن ينام فيه الشيخ مطمئنًا آمناً في بيته، وأن تقلع الطائرة بسلام، وأن يعود المسافر إلى أهله، وأن يكون اختلاف الدول سببًا للحوار لا ذريعة للدمار.

اللهم احفظ وطننا وقيادتنا وأهلنا وكل من يعيش على أرضنا، وأدم علينا نعمة الأمن والأمان، وارحم ضحايا الحروب، واشفِ جرحاهم وآوِ مشرّديهم وأصلح أحوال البلاد والعباد.

ويبقى السؤال الذي أتمنى أن يأتي يوم لا نحتاج فيه إلى طرحه:

إلى متى يدفع الأبرياء ثمن حروب لم يختاروها وقرارات لم يشاركوا فيها وصراعات لا يعرفون متى تنتهي؟ .