فاطمة آل تيسان

في بعض المجتمعات، لا يزال هناك من يخلط بين الالتزام بالقيم وبين فرض تصور شخصي على الآخرين، حتى يصبح الفرح نفسه مناسبة للتضييق، وتتحول أبسط تفاصيل الحياة الاجتماعية إلى ساحة للمنع والوصاية.

من أكثر الصور إثارة للتساؤل أن تُمنع النساء من إقامة مناسباتهن في صالة مجهزة ومهيأة ومصممة لاستقبال الحضور، ثم يُدفع بهن إلى استراحة مكشوفة أو موقع أقل تجهيزًا، بحجة المحافظة أو العادات، وكأن جودة المكان وراحته وسلامته أصبحت أمورًا ثانوية أمام اجتهادات لا تستند بالضرورة إلى معيار واضح. هنا يبرز سؤال جوهري:

إذا كان المكان المجهز يحفظ الخصوصية، ويلتزم بالأنظمة، ويوفر السلامة والراحة، فما المبرر لأن يصبح البديل الأقل تجهيزًا هو الخيار المفروض؟

المفارقة أن التنظيم الحديث للمناسبات لا ينظر إلى المكان باعتباره جدرانًا وسقفًا فقط، بل يهتم بالسلامة، والمخارج، ودورات المياه، ومسارات الحركة، والتهوية، ومكافحة الحريق وغيرها من الاشتراطات التي تجعل المكان أكثر ملاءمة لاستقبال أعداد كبيرة من الناس. كما أن الجهات المختصة تضع اشتراطات واضحة لقاعات المناسبات والتجمعات، بما يضمن توفير الحد الأدنى من متطلبات السلامة والتنظيم.

فإذا كان المكان مستوفيًا للاشتراطات النظامية، فلماذا يصبح كونه أكثر راحة وتجهيزًا سببًا للاعتراض عليه؟ وهل ينبغي أن تكون المشقة معيارًا للحكم على صلاح المكان أو التزام أصحابه؟ المشكلة هنا ليست في المحافظة على القيم؛ فالقيم لا تعادي التطور، ولا ترفض الراحة، ولا تعتبر التنظيم الحضاري خروجًا عن الأصالة.

المشكلة تبدأ عندما تتحول المحافظة من قيمة أخلاقية تحمي المجتمع إلى قائمة طويلة من الممنوعات، ومن قناعة شخصية إلى سلطة على خيارات الآخرين، والأهم أن النساء لسن كتلة واحدة بلا احتياجات مختلفة. بين الحاضرات كبيرات في السن، وأمهات، وأطفال، ومن يحتجن إلى مرافق مناسبة أو مساحات أكثر سهولة للحركة. قد تكون الظروف المناخية عاملًا مهمًا أيضًا، خصوصًا عندما تقام المناسبة في مكان مكشوف.

اختيار مكان مهيأ ليس بالضرورة بحثًا عن الترف، إنما قد يكون تعبيرًا عن مراعاة الضيف واحترام احتياجاته، كما أن الراحة ليست نقيضًا للمحافظة. يمكن للمرأة أن تحافظ على خصوصيتها وآدابها وقيمها، وفي الوقت نفسه تجلس في مكان مكيف ومهيأ، تتوفر فيه الخدمات الأساسية، وتُراعى فيه سلامتها وسلامة ضيفاتها.

لا يوجد تعارض منطقي بين الأمرين، ثم إن العادات الاجتماعية ليست نصوصًا جامدة لا تقبل التغير. ما كان مناسبًا في الماضي قد لا يكون الأكثر ملاءمة اليوم، خصوصًا مع تطور وسائل تنظيم المناسبات وتغير احتياجات الناس. والحفاظ على الهوية لا يعني بالضرورة التمسك بكل وسيلة قديمة، بل يعني معرفة ما الذي يستحق أن نحافظ عليه، وما الذي يمكن أن يتطور دون أن يمس جوهر القيم.

السؤال الأهم هنا: هل نقيس صلاح المكان بمقدار ما يضيّق على الناس، أم بمقدار ما يوفر لهم الخصوصية والسلامة والراحة ويحترم الأنظمة؟ وإذا كانت الإجابة هي الثانية، فلا ينبغي أن يصبح المكان المجهز موضع شبهة لمجرد أنه أكثر راحة.

من الإنصاف أيضًا ألا نضع كل من يفضل الاستراحة في خانة التشدد؛ فقد يكون اختياره نابعًا من قناعة شخصية أو ظروف اجتماعية أو اقتصادية. الاعتراض الحقيقي ليس على أن يختار الإنسان ما يناسبه، إنما على أن يتحول اختياره إلى قاعدة يفرضها على غيره! فالزواج مناسبة للفرح، والفرح لا يحتاج إلى أن يتحول إلى اختبار في القدرة على تحمل المشقة.

ليس من المعقول أن تقضي صاحبة المناسبة وقتها في التفكير بكيفية إرضاء تصورات الآخرين، بدل أن تفكر في راحة ضيفاتها ونجاح مناسبتها.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون صوت المتشدد أعلى من صوت النظام، ولا أن تتحول الأعراف الشخصية إلى قواعد ملزمة للجميع. فما دام المكان مرخصًا، مستوفيًا للاشتراطات، ويحفظ الخصوصية والآداب العامة، فإن اختيار صالة مجهزة بدل استراحة مكشوفة لا ينبغي أن يُعامل وكأنه تنازل عن القيم.

المجتمع الذي يحترم قيمه لا يخاف من الراحة، ولا يخشى التطور، ولا يحتاج إلى التضييق كي يثبت محافظته؛ لأن الرقي الحقيقي هو أن نحفظ القيم، ونحترم الإنسان، ونترك للناس مساحة كافية ليعيشوا أفراحهم بكرامة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نصل إليه هو أن تصبح المحافظة وعيًا لا وصاية، وقيمة لا قيدًا، واحترامًا للإنسان لا تضييقًا عليه؛ وأن نفهم أن صالة مجهزة قد تكون، في كثير من الأحيان، أقرب إلى مقاصد الخصوصية والسلامة والكرامة من مكان يفرض على النساء مشقة لا ضرورة لها.