ميرنا محمد

ميرنا محمد

في عالم يشهد تحولا رقميا متسارعا، بَرز مفهوم السيادة الرقمية باعتباره أحد أهم القضايا الإستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، إذ لم تَعُدِ السيادة تقتصر على الحدود الجغرافية أو الموارد التقليدية، بل امتدت لتشمل القدرة على التحكم في البنية التحتية الرقمية، وحماية البيانات الوطنية، وضمان خصوصية المواطنين، وإدارة التدفقات المعلوماتية العابرة للحدود. ومع التوسع الكبير في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، أصبحت الدول مطالبة بإعادة صَوْغ أدواتها السيادية بما يتلاءم مع متطلبات العصر الرقمي.

في هذا الإطار، تَكتسب مسألة السيادة الرقمية العربية أهمية خاصة، في ظل تنامي الاستثمارات التكنولوجية في المنطقة، وارتفاع نسبة الشباب المُستخدِمين للتقنيات الحديثة، إلا أن هذا المسار يُواجه تحديات متعددة، من بينها الاعتماد على المنصات الأجنبية، وضعف امتلاك التقنيات المتقدمة، ومخاطر الأمن السيبراني.

ومن هنا يُطرح تساؤل رئيسي: إلى أي مدى تستطيع الدول العربية تحقيق سيادة رقمية حقيقية في عصر الذكاء الاصطناعي، بما يضمن الاستفادة من الفُرص التكنولوجية ومواجهة التحديات المرتبطة بالاعتماد الخارجي والأمن الرقمي؟

النفوذ الرقمي العربي

يُمثل تصاعد «الذكاء الاصطناعي السيادي» فرصة كبيرة لتحول العالم العربي من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى مالك ومطور لها. وفي هذا الإطار، تَستثمر دول مجلس التعاون الخليجي مليارات الدولارات في مشروعات الذكاء الاصطناعي السيادي عَبر إنشاء مراكز بيانات وتطوير نماذج محلية، مثل مبادرة «هيومين» السعودية، انطلاقا من هدف إستراتيجي يتمثل في الحفاظ على البيانات الحكومية والعسكرية الحساسة داخل حدود الدولة، وتقليل التبعية الرقمية لكل من الولايات المتحدة والصين. ويترتب على ذلك بروز شكل جديد من «النفوذ الرقمي» في المفاوضات الدولية، بما يُمكن الدولَ العربية من التحول إلى مراكز تكنولوجية مستقلة بدلا من الاكتفاء بدَور التابع للمنصات الأجنبية. وفي الوقت ذاته، يُعزز الذكاءُ الاصطناعي قدراتِ القطاعات المَعنية بالأمن الإقليمي، بخاصة لدى الدول التي تُواجِه اضْطرابات حدودية أو تهديدات غير تقليدية مثل التهريب وحركات التمرد، حيث توفر أنظمة المراقبة المدعومة بالذكاء الاصطناعي ودوريات الطائرات المُسيرة قوة مضاعفة وفعالة. كما تستطيع هذه الأنظمة مُعالَجة كميات هائلة من البيانات المُستمَدة من صور الأقمار الاصطناعية ومعلومات الاستخبارات الإلكترونية (SIGINT) في الوقت الفعلي، بما يتيح سرعة أكبر في كشْفِ الاختراقات الأمنية والاستجابة لها. وفي المقابل، تُسهِم التحليلاتُ التنبئية في رسمِ خرائط لنقاط التوتر المُحتملة قبل اندلاعها، بما يحول المواقف الأمنية من منطقِ رد الفعل إلى نهْج الاستباق والوقاية.

ويَبرز ذلك كأنموذج تطبيقي واضح في دول مجلس التعاون الخليجي، التي رسخت، بقيادة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، مكانتَها كمراكز عالمية للبنية التحتية الرقمية والتكنولوجية. ففي إطار مشروعها «الارتقاء»، خصصت المملكة العربية السعودية أكثر من 100 مليار دولار للذكاء الاصطناعي، بهدف الإسهام بنحو 135 مليار دولار في إجمالي ناتجها المحلي بحلول العام 2030. وفي الوقت نفسه، تفتخر الإمارات العربية المتحدة بواحد من أعلى معدلات تبني الذكاء الاصطناعي واعتماده على مستوى العالَم، إذ استَخدم 64% من سكانها في سن العمل أدوات الذكاء الاصطناعي مع نهاية العام 2025، كما تَستفيد من مجمع «ستارغيت» ومُبادرات مجموعة «G42» لكي تُصبح «منصة اختبار» للتقنيات الناشئة.

فرص إستراتيجية

1.التعليم وتمكين الشباب: مع وجود أكثر من 60% من سكان العالَم العربي دون سن الثلاثين، تمتلك المنطقة واحدة من أكبر الطاقات البشرية الشابة عالميا، وهو ما يُمثل قاعدة واعدة لبناء اقتصاد رقمي تنافسي. ويوفر الذكاءُ الاصطناعي فرصة حقيقية لتجاوُز العقبات التعليمية التقليدية، من خلال منصات التعلم الشخصي التي تُراعي الفروقَ الفردية، وتُقدم محتوى تفاعليا متعدد اللغات، وتُساعد في سد فجوات المهارات بين مُخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. كما يُمكن للجامعات العربية توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، وتحليل البيانات، وتطوير مناهج أكثر ارتباطا بالثورة الصناعية الرابعة. ومن ثم، فإن الاستثمار في تعليم رقمي ذكي لا يقتصر على رفْع جودة التعليم، بل يشكل ركيزة أساسية لتحقيق السيادة الرقمية عَبر إعداد كوادر قادرة على إنتاج التكنولوجيا لا استهلاكها فقط.

2. التحول في مجال الطاقة والمُدن الذكية: في ظل امتلاك العديد من الدول العربية موارد طاقة إستراتيجية، يتيح الذكاء الاصطناعي فُرصا كبيرة لتعزيز كفاءة قطاع الطاقة التقليدي، من خلال تحسين عمليات الاستكشاف والإنتاج، وتقليل الفاقد، ورفْع مستويات السلامة التشغيلية. وفي الوقت ذاته، يَدعم التحولَ نحو الطاقة المتجددة عَبر إدارة الشبكات الذكية، وتوقع الطلب، وتخزين الطاقة بكفاءة أعلى. كما تَشهد المنطقةُ توسعا في مشروعات المُدن الذكية، مثل مشروع «نيوم» في المملكة العربية السعودية، ومبادرات التحول الحضري في الإمارات العربية المتحدة، حيث تعتمد هذه المدن على أنظمة ذكية لإدارة المرور، والطاقة، والمياه، والنفايات، والخدمات العامة. وتُمثل هذه النماذج خطوة نحو بناء «مدن معرفية» قادرة على تعزيز الابتكار، وجذْب الاستثمارات، وترسيخ الاستقلال التقني العربي.

.3الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال: يُمثل الذكاء الاصطناعي فرصة كبيرة لنمو الشركات الناشئة العربية، بخاصة في مجالات التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، والنقل الذكي، وتحليل البيانات، وصناعة المحتوى. ومع تزايُد أعداد الشباب ورواد الأعمال، يُمكن للدول العربية أن تَبني منظومات ابتكار إقليمية قادرة على إنتاج حلول محلية للمشكلات المحلية، بدلا من الاعتماد الكامل على الشركات العالمية. كما أن دعْمَ الشركات الصغيرة والمتوسطة بأدوات الذكاء الاصطناعي يُسهِم في رفْع الإنتاجية وتوسيع الأسواق وخلْق فُرص عمل جديدة.

.4 الرعاية الصحية والزراعة والأمن الغذائي: في المناطق التي تُعاني من ندرة المياه وتحديات الأمن الغذائي، تمثل الزراعةُ الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحولا نوعيا في إدارة الموارد الطبيعية؛ إذ تستطيع الخوارزميات تحليلَ بيانات التربة والمناخ، والتنبؤ بإنتاجية المحاصيل، وتحسين أنظمة الري، وتقليل استهلاك المياه والأسمدة، وهو ما يَكتسب أهمية خاصة في دول مثل مصر والمغرب ودول الخليج. وفي المجال الصحي، يُمكن للذكاء الاصطناعي دعْم الأنظمة الطبية عَبر التشخيص المبكر للأمراض، وتحليل الصور الطبية، وإدارة السجلات الصحية، وتوسيع خدمات الطب عن بُعد للمناطق النائية. ومن شأن هذه التطبيقات أن تُعزز جودةَ الحياة، وتُقلل الفجوة التنموية بين المُدن والأقاليم الطرفية.

تحديات هيكلية

على الرغم من موجةِ التفاؤل المُصاحبة لصعود الذكاء الاصطناعي، فإن الطريق أمام العالَم العربي لا يخلو من عقبات جوهرية قد تُعرقِل الاستفادة الكاملة من هذه الثورة التقنية. ولتحقيق انتقال ناجح نحو اقتصاد رقمي قائم على المعرفة، يَتعين على الدول العربية مُعالَجة عدد من «المعوقات الهيكلية» التي تمس البنية التحتية، والسيادة الرقمية، والإطار التشريعي، والتنظيمي.

.1معضلة سيادة البيانات: يُعالَج جزء كبير من البيانات المُولدة في العالم العربي حاليا عَبر خوادم ومنصات تابعة لشركات تكنولوجيا عالمية متمركزة في الغرب أو الصين، وهو ما يثير مخاوف متزايدة بشأن ما يُعرف بـ«استعمار البيانات»، فالبيانات أصبحت مَوردا إستراتيجيا لا يقل أهمية عن النفط أو الغاز، ومن دون امتلاك مراكز بيانات محلية، وبنية تحتية سحابية إقليمية، وقدرات وطنية على التخزين والتحليل، تخاطر الدول العربية بفقدان السيطرة على هوياتها الرقمية، وخصوصية مواطنيها، ومحتواها الثقافي، بل وحتى قراراتها الاقتصادية والأمنية المرتبطة بالفضاء الرقمي. وتتفاقَم هذه المعضلة في ظل غياب أُطر تشريعية عربية موحدة لحوكمةِ البيانات، واستمرار حالة التشتت في سياسات الحماية والتبادُل، بما يُحول البيانات العربية إلى مَورد مفتوح للاستغلال التجاري والسياسي من قِبل قوى خارجية. ومن ثم، فإن تعزيز سيادة البيانات يتطلب تبني سياسات واضحة لتوطين البنية التحتية الرقمية، وتطوير تشريعات صارمة لحماية البيانات، وتشجيع الاستثمار في مراكز الحوسبة السحابية الإقليمية، بما يَضمن تحويل البيانات من نقطة ضعف إلى مصدر قوة إستراتيجية.

.2 فجوة المهارات والبحث العلمي: على الرغم من امتلاك العالَم العربي قاعدة شبابية واسعة، فإن هناك فجوة واضحة بين مُخرجات التعليم التقليدي واحتياجات سوق العمل الجديد القائم على الذكاء الاصطناعي. فما تزال الجامعات ومراكز التدريب في كثير من الدول العربية تُعاني ضعفا في برامج علوم البيانات، وهندسة البرمجيات، والروبوتات، والتعلم الآلي. كما أن حجْم الإنفاق على البحث والتطوير لا يزال محدودا مُقارَنة بالقوى العالمية الكبرى، ما يُضعِف القدرة على إنتاج نماذج عربية محلية بدلا من الاكتفاء باستهلاك التقنيات المستورَدة. ومن دون الاستثمار في رأس المال البشري، ستَظل المنطقةُ مُستهلِكة للذكاء الاصطناعي أكثر من كونها مُنتِجة له.

.3 الثغرات الأخلاقية والقانونية: لا تزال العديد من الدول العربية تسعى للحاق بوتيرة التطورات المتسارعة في تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي. فبينما اتخذت بعض الدول خطوات متقدمة، مثل البحرين والإمارات العربية المتحدة، عبر إعداد إستراتيجيات وطنية ومشاريع قوانين خاصة بالذكاء الاصطناعي، ما تزال دول أخرى تَعتمد على تشريعات تقليدية لا تُواكب تحديات العصر الرقمي. وتشمل هذه التحديات قضايا حماية الخصوصية، والتحيز الخوارزمي، والمسؤولية القانونية عن أخطاء الأنظمة الذكية، وحقوق الملكية الفكرية للمحتوى المُنتَج آليا، ما يَجعل الحاجة ملحة إلى أُطر قانونية عربية حديثة وموحدة نسبيا.

مسار عربي موحد

لكي يُحقق العالم العربي ازدهارا حقيقيا في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعُد كافيا الاعتماد على مبادرات وطنية متفرقة أو نماذج مستورَدة؛ بل أصبح من الضروري تجاوُز ما يُمكن تسميته بـ «انعزالية الذكاء الاصطناعي»، فالنهج المُجزأ يُضعف القدرةَ التفاوضية للدول العربية، ويتيح للفاعلين العالميين فَرْضَ معاييرهم التقنية والتنظيمية، بما يُكرس التبعية الرقمية بدلا من تقليصها. وفي المُقابل، يُتيح تبني إطار إقليمي موحد بناءَ كتلة رقمية عربية قادرة على المُنافَسة، تَستند إلى سوق واسعة، وموارد بشرية شابة، وإمكانات استثمارية متنامية، بما يَمنح المنطقةَ فرصة حقيقية لصياغة دورها في مستقبل الاقتصاد الرقمي.

وفي هذا السياق، يُمكن تصور إطار عربي مشترك يستلهم التجارب الدولية، لكنه يُصاغ وفق الخصوصيات الإقليمية، ويَرتكز على ثلاث دعائم أساسية: أولها الاستثمار المُشترَك في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي «عربية أولا» تَفهم اللغةَ والسياق المحلي، وثانيها إطلاق «تأشيرة ذكاء اصطناعي» تُتيح حرية تنقل الكفاءات بين مراكز الابتكار العربية، بما يُعزز تبادُل المعرفة ويحد من هجرة العقول، وثالثها وضْع معايير أخلاقية وتنظيمية موحدة تُوازِن بين دعْم الابتكار وحماية القيَم المجتمعية وحقوق الإنسان. ومن شأن هذه الركائز، إذا طُبقت ضمن رؤية تكاملية، أن تُمهدَ لتأسيس سوق رقمية عربية مشتركة، وتُعزز الاستقلال التكنولوجي، وتدعم التحول من موقع المُستهلِك إلى موقع المُنتِج في منظومة الذكاء الاصطناعي العالَمية.

ختاما، لم تَعُد السيادة الرقمية العربية في عصر الذكاء الاصطناعي تَرفا سياسيا أو خيارا يُمكن تأجيله، بل غَدت ضرورة استراتيجية تفرضها تحولاتُ النظام الدولي وتسارعُ الثورة التكنولوجية. فهي تُمثل ركيزة أساسية لحماية الأمن الوطني، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وصوْن الهوية الثقافية في فضاء رقمي تزداد فيه المُنافَسة والنفوذ. وبينما تَفتح تقنيات الذكاء الاصطناعي آفاقا واسعة للنمو والابتكار والتنمية المُستدامة، فإن غياب التنسيق والتكامُل العربي قد يُحول هذه الفرص إلى أشكال جديدة من التبعية التقنية والاقتصادية.

*باحثة في العلوم السياسية من مصر

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.