هاني القحطاني

تكاد معرفتنا العامة عن الهند أن تقتصر على تاريخها مع جارتها باكستان، وبعض الأمور التي تربطنا بها كعرب ومسلمين كبلد له روابط تجارية مع دول الخليج، ومؤخرا صعودها الصاروخي في مجال البرمجيات. غير أن الهند التاريخية – بما فيها بنجلادش وباكستان – هي من التنوع الفكري ما يجعل منها وحدة ثقافية مترابطة قل نظيرها في جغرافية العالم، وليس أدل على ذلك من مبانيها، ومن ضمنها العمارة الإسلامية.

مناسبة الكتابة عن الهند وعمارتها لأنها وعبر تاريخها الطويل أرست – باستمرار – ما تعنيه عمارة «الإقليمية النقدية»، التي سبق الحديث عنها الأسبوع الماضي. العمارة في الهند تبدو من شدة انتمائها لمكانها وكأنها نبتت من أرضها. يبدو المعبد الهندوسي كأنه جبل قد من الحجارة قدا، يصعد في السماء وفق نسب رياضية بالغة الدقة، وإن شئت – في قراءة أخرى – كأنه هبط من السماء على أرض قد هيئت له سلفا، وبلغ نحت الحجر في بعض الأحيان شأنا بدا معه وكأن هذه المعابد ليست من صنع البشر.

نظرا لتعدد البيئات المناخية في الهند تناثر سكان البلاد في قرى وبلدات تعددت معها أنماط الاستيطان، وبالتالي العمارة. وعلى عكس العمارة الهندوسية؛ العمارة الإسلامية في الهند وافدة من الشمال على أيدي الترك والأفغان، ومن الغرب على أيدي التجار ورجال الدين الفرس والعرب، ومع ذلك وجدت في الهند موطنا لها يفوق بمراحل ما وجدته في أي موضع وصله الإسلام بما في ذلك العالم العربي.

الحديث هنا ليس عن الكم فقط بل عن النوع أيضا. ما حدث ببساطة أن العمارة –أي عمارة في العالم– تزدهر في وجود سلطة الدولة. هذا ما جلبه الإسلام للهند، فقد أوجد كل من الترك والأفغان وأحفاد المغول فيها دولا مركزية قوية، ومدنا جديدة في محيط من القرى المكتفية ذاتيا، وفي فضاء خال من سلطة اجتماعية ناظمة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى وظف القادمون الجدد للهند المهارات الاستثنائية للحرفيين الهنود في نحت الحجر لبناء مساجد ومدارس وقصور وأضرحة، بدلا من المعبد فقط كما كانت الحال في العمارة الهندية. والنتيجة مذهلة ليس على مستوى العمارة الإسلامية، بل على مستوى تاريخ عمارة العالم. يكفي ذكر «تاج محل» فقط، ذلك البناء الخالد لكي تتضح صورة ما وصلته العمارة الإسلامية في الهند.

في قراءة جغرافية تاريخية أيضا، العمارة الإسلامية في الهند ينطبق عليها مفهوم الإقليمية، فهي بكل وضوح وجلاء ونقاء تمثل عبقرية البنائين الهنود في تطويع الصخر لخدمة العمارة، تبدو معها عمارة «مجمع قوة الإسلام» في ضواحي دلهي بمنارته (73 مترا) و«مزار السلطان التتمش» من روعته، كأنها أعمال في النسيج والديباج وليست نحتا على الحجر. وقس على ذلك المئات أو ربما الآلاف من أعمال العمارة الإسلامية هناك.

تتميز العمارة الإسلامية في الهند بأنها توليفة مركبة (انصهار) لعناصر وتقاليد معمارية في دول المنشأ، مع ما جلبه الإسلام حيثما حل من عمارة وتقاليد وأنظمة اجتماعية وثقافية أيضا. والنتيجة غزارة في الإنتاج لم تساوها غزارة في تاريخ العمارة في لقاء حضارتين كبيرتين: الإسلام والهند.

ليس من الناحية التاريخية فقط بل حتى في العمارة الحديثة والمعاصرة كانت الهند ورشة بناء لكثير من أيقونات العمارة الحديثة والمعاصرة، وها هي العمارة في بنجلادش ذلك البلد الذي تتلقفه الأعاصير والفيضانات من كل جانب، تقارع بل تفوق في عماراتها المعاصرة عمارات معظم دول العالم الإسلامي.

إلا أنه – للأسف – فالعمارة الإسلامية في الهند تواجه مصيرا قاتما نتيجة لسياسة التطرف الهندوسي. ليس هنا موضع الحديث عن هذا الوضع، لكن بإمكان المؤسسات الثقافية العربية والإسلامية حكومية كانت أم غير ذلك أن تولي الموضوع الأهمية التي يستحقها، فالاستثمار في العمارة الإسلامية بالهند بما يعود على العمارة الإسلامية عموما وفي الدول العربية خصوصا بالإيجاب، هو استثمار في الحجر والبشر.