عبدالله محمد آل الشيخ

ليست كل خطبة جمعة تنتهي بانتهاء الصلاة، فبعض الخطب تظل كلماتها حاضرة في النفس تفتح أبواباً للتأمل، وتعيد إلى الذاكرة مواقف ربما غفلنا عنها، وتضعنا أمام سؤال لا ينبغي أن نهرب من الإجابة عنه: «هل نحن حقاً كما ينبغي أن نكون مع أهلنا وأرحامنا؟». في جامع الأميرة سلطانة بنت تركي السديري بالرياض استمعت في صلاة الجمعة إلى خطبة ألقاها إمام وخطيب جامعنا الدكتور شبيب الحقباني، تناول فيها قضية ليست جديدة على مجتمعاتنا لكنها مؤلمة بقدر ما أصبحت حاضرة في بعض بيوتنا، ألا وهي قطيعة الرحم..! وما يصاحبها من خصومات وجفاء قد يمتدان سنوات بل ربما ينتقلان من جيل إلى آخر.

لم أجد في تلك الخطبة مجرد موعظة تُسمع ثم تُنسى وإنما وجدت رسالة لنا جميعاً وأنا أول من ينبغي أن يتأمل معانيها ويراجع نفسه. استهل الخطيب -وفقه الله_ حديثه بما رواه مسلم عن رجل شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم «أقارب يصلهم ويقطعونه..! ويحسن إليهم ويسيئون إليه..! ويحلم عنهم ويجهلون عليه..»! فكان توجيهه النبوي صلوات الله عليه وسلامه: أن يواصل إحسانه وأن الله معه ما دام على ذلك.

ويا لها من رسالة عظيمة..! فصلة الرحم ليست مكافأة نقدمها لمن أحسن إلينا ولا علاقة نحتفظ بها ما دامت توافق رغباتنا، وإنما خُلُق ودين ومسؤولية تظهر معانيها الحقيقية حين نختلف لا حين نتفق..! وقد توقفت طويلاً عند صور مؤلمة عرضها الخطيب من واقع بعض الأسر: إخوة وأخوات لا يلتقون حتى في منزل والديهم فيختار كل منهم موعداً مختلفاً للزيارة حتى لا يرى الآخر..! وأقارب تمرّ عليهم شهور أو سنوات دون سلام أو سؤال.

بسبب كلمة عابرة: أو وشاية أو رسالة هاتف أو دعوة لمناسبة أو خلاف بين الأطفال..!! ألهذا الحد أصبحت بعض خلافاتنا أقوى من روابط الدم والرحم..؟ وأي وجع يشعر به أب أو أم وهما يريان أبناءهم وأحفادهم الذين جمعاهم صغاراً حول مائدة واحدة يتفرقون كباراً فلا تجمعهم حتى مناسبة عائلية..؟ بل أي خسارة أكبر من أن يجتمع الإخوة يوماً حول جنازة أحد والديهم بعدما عجزوا عن الاجتماع حولهما وهما على قيد الحياة..؟! إنها صورة موجعة لكنها تستحق التأمل قبل أن تصبح واقعاً نندم عليه حين لا ينفع الندم..! وليت الأمر يقف عند أصحاب الخلاف فالمؤلم أن بعض الخصومات تتحول إلى ميراث ثقيل يُحمَّل للأبناء والبنات، فيكبرون وهم يحملون مشاعر العداء تجاه أعمامهم وعماتهم وأخوالهم وخالاتهم دون أن يعرفوا لماذا اختلف الكبار أصلاً..!! وهنا أقول: ليس من حقنا أن نورّث أبناءنا أحقادنا ولا أن نجعلهم يدفعون ثمن خلافات لم يكونوا طرفاً فيها.

ومن المؤسف أن بعضنا يتّسع صدره للغريب..! ويتسامح مع زلات الأصدقاء ويبحث لهم عن الأعذار لكنه يضيق بكلمة من أخيه أو موقف من أخته حتى يصبح الاعتذار عنده هزيمة والمبادرة بالسلام تنازلاً عن الكرامة.. !! ومتى كان التسامح ضعفاً..؟ ومتى أصبحت صلة الرحم انتقاصاً من قدر الإنسان..؟ وليس معنى ذلك أن نتجاهل المظالم أو نطالب المتضرر بتحمل الأذى دون حدود.

فالإصلاح لا يلغي الحقوق، والتسامح لا يعني قبول الظلم وإنما يعني ألا نجعل الخصومة باباً مفتوحاً للكراهية، وألا نغلق كل طريق يمكن أن يقود إلى الصلح.

وقد أحسن الخطيب حين استشهد بقول الشاعر: «وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً على النفسِ من وقعِ الحسامِ المهنّدِ» نعم: فجرح القريب ليس كجرح الغريب لأننا ننتظر من أهلنا ما لا ننتظره من سواهم.

لكن ذلك لا ينبغي أن يجعل الجرح سبباً لقطيعة دائمة.

إننا بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار للكلمة الطيبة والزيارة الصادقة والاتصال الذي لا تحكمه مصلحة، والسؤال الذي لا ينتظر مناسبة، وأن نعلّم أبناءنا أن اختلاف الرأي لا يفسد المودة، وأن البيوت لا تستقيم بالمكابرة وإنما بالتفاهم والعدل والرحمة.

وكم نحن بأمسّ الحاجة أيضاً إلى حكماء من داخل الأسر لا يزيدون الخلاف اشتعالاً بنقل الكلام وتأويل المواقف، وإنما يسعون إلى جمع القلوب ويطفئون نار الخصومة التي يشعلها البعض بين الأهل بقيل وقال، قبل أن تمتد إلى من لا ذنب لهم فيها.

ولنتذكر أن الحياة أقصر مما نتصور، وأن من نؤجل مصالحته اليوم قد لا نجده غدا، وأن كلمة «سامحني» قد تعيد إلى بيت فرحاً غاب عنه سنوات، وأن اتصالاً لا يستغرق دقائق ربما ينهي قطيعة امتدت أعواماً.

قال تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا﴾.

وما أحوجنا إلى هذه المعاني في زمن كثرت فيه وسائل الاتصال بينما لا تزال بعض القلوب بعيدة عن أقرب الناس إليها.

إنني لا أكتب هذه الكلمات لأحاكم أحداً ولا لأزعم أن مجتمعنا كله يعيش هذه الحالة، فمجتمعنا بحمد الله زاخر بصور البر والوفاء والتراحم، لكن وجود نماذج مؤلمة بيننا يكفي لأن نتوقف ونراجع أنفسنا..! ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من خطبة الجمعة ألا نكتفي بالإعجاب بما سمعناه بل أن نحمل رسالتها إلى بيوتنا وأن يبدأ كل منا بنفسه.

فلا تنتظروا: أن يجمعكم العزاء بعدما فرّقتكم الخصومة، ولا تجعلوا أبناءكم يتعارفون عند القبور بعدما حُرموا من المودة في البيوت.

وإذا كنا نرجو لوطننا الأمن والاستقرار والتلاحم فإن الأسرة المتماسكة إحدى ركائز المجتمع المتماسك: فالأوطان تقوى بوحدة أبنائها، والمجتمعات تسمو حين تتغلب فيها الرحمة على القطيعة والحكمة على الغضب والمحبة على الأحقاد.