محمد طالب

كعادتي، كنت في جولاتي المكوكية بين مواقع التواصل الاجتماعي، متنقلًا من فيسبوك إلى إكس، ومن إكس إلى فيسبوك، حتى باتت رحلاتي بين المنصتين أكثر انتظامًا من الرحلات الجوية، خصوصًا في ظل الأجواء الملتهبة عالميًا.

فأنا، كغيري من كثيرين، لم أعد أشاهد التلفزيون، رغم أن السيدة الأولى في المنزل أصرت مؤخرًا على أن أشتري تلفزيونًا جديدًا، مساحته أكبر من المساحة التي يسيطر عليها الحوثي في اليمن. قولوا ما شاء الله عليه... أقصد التلفزيون طبعًا!

وبينما كنت أتنقل بين المنشورات والتغريدات، استوقفني تصريح للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أعلن فيه استعداد بلاده للدفاع عن السعودية واتخاذ ما يلزم لحمايتها إذا طُلب منها ذلك.

لم يكن التصريح وحده ما لفت انتباهي، بل المفارقة التي أعادت إلى ذهني خطاب الحوثي عن «التدخل الأجنبي» و«العدوان»؛ فالجماعة التي اعتادت تهديد جيرانها بات عليها الآن أن تتابع تصريحات القاهرة، وتحسب حساب احتمال دخول مصر على خط المواجهة.

وما بين تصريح الرئيس المصري وجولاتي المكوكية في مواقع التواصل الاجتماعي، وقعت عيناي على رسالة من البرلمان الميليشياوي إلى البرلمان المصري، يحذّره فيها من التدخل العسكري في اليمن، ويذكّره بعروبة مصر وتاريخها!

هنا توقفت قليلًا، ليس إعجابًا بفصاحة الرسالة، وإنما بحثًا عن تفسير لهذه العروبة التي يستحضرها الحوثي عند الحاجة فقط.

فعلى ما يبدو، أن الأعيان المدنية التي تتعرض للهجمات الحوثية في المملكة العربية السعودية ليست عربية في نظره، وربما تتحدث الإنجليزية التي لا يعرفها هو أيضًا، والمطارات والمنشآت التي تُستهدف هناك تتبع كوكب المريخ، لذلك لا تدخل ضمن اختصاص العروبة التي اكتشفها البرلمان فجأة!

والأغرب أن الجماعة التي اعتادت إطلاق صواريخها خارج حدود اليمن، أصبحت اليوم تُلقي المحاضرات عن احترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.

الحوثي يذكّر مصر بعروبتها، وفي الوقت نفسه ينسى عروبة جيرانه، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، التي تحمل العروبة في اسمها وهويتها، وتنتمي إلى أرض تُعد من منابع العروبة ذاتها.

وينسى أيضًا أن تعز وسكانها عرب، وأن الجغرافيا اليمنية كلها عربية، لكنه يتصرف وكأن العروبة شهادة يمنحها لمن يشاء ويسحبها ممن يشاء.

لذلك أعتقد أن أكثر ما يخشاه الحوثي هذه الأيام ليس طائرات الأباتشي ولا الصواريخ الموجّهة، وإنما أن يطالبه أحدهم بإجراء فحص للحمض النووي (DNA)، فيكتشف أن الشعارات لا تصلح دليلًا للأنساب، وأن المزايدة بالعروبة لا تحتاج إلى صاروخ لإسقاطها، بل إلى سؤال واحد: وأنت من أين جئت؟!

ومن طرائف هذه الرسالة أنها صدرت عن جهة تفتقر إلى الاعتراف الدولي، ومع ذلك تخاطب برلمانات الدول وكأنها تمثل اليمن بأكمله.

هذا يذكّرني بمن ينتحل صفة رئيس الجمهورية لدى الميليشيات، ثم يفاجئنا بين الحين والآخر بإرسال برقيات تهنئة إلى زعماء دول عربية وأجنبية بمناسبة أعيادهم الوطنية، دون أن نسمع عن برقية جوابية واحدة!

حتى أصبح وضعه كحال مكالمة هاتفية لم يُردّ عليها!

لكن الطرافة لا تقف عند حدود الرسالة ومُرسِلها؛ فالبرلمان الميليشياوي خفيف الدم، وهو يذكّر مصر بعروبتها، أغفل الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي تكبدتها مصر جراء اضطراب الملاحة في البحر الأحمر بسبب الهجمات الحوثية على السفن.

وربما ظن أصحاب الرسالة أن أي تحرك عسكري مصري محتمل لن يكون إلا دفاعًا عن أمن السعودية، ونسوا أن لمصر أمنًا قوميًّا ومصالح اقتصادية تضررت هي الأخرى من مراهقات الحوثي في البحر الأحمر، وأن قناة السويس ليست مجرد ممر مائي يمر بجوار مصر، بل شريان اقتصادي تأثر بتلك المغامرات.

ويبدو أن البرلمان، وهو يذكّر المصريين بتاريخهم وعروبتهم، نسي أن يذكّر نفسه بالجغرافيا، وبأن البحر الأحمر ليس بحيرة خاصة تابعة لكهوف صعدة!

وبعد أن قرأت رسالة البرلمان الميليشياوي خفيف الدم، حاولت أن أفهم ما الذي يريده الحوثي من مصر بالضبط. فهو يذكّرها بعروبتها، ويتجاهل خسائرها الاقتصادية، ويحذّرها من التدخل، وكأن القاهرة مطالبة بأن تنسى ما جرى في البحر الأحمر، وتكتفي بالتصفيق لمحاضراته عن السيادة والعروبة.

ولولا أن الرسالة كُتبت بلغة سياسية رسمية، لظننت أن الحوثي أراد أن يقول للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، باللهجة المصرية: «إديني فرصة». خصوصًا أنه، في رأيي، يمتلك باعًا طويلًا في هذا المجال، بدءًا من اتفاقية السلم والشراكة، وصولًا إلى خارطة الحريق... عفوًا، أقصد خارطة الطريق، التي لم يكتفِ بوضع العراقيل أمامها، بل راح يزرع الألغام في طريقها بيديه، ثم يتساءل باستغراب: لماذا لا يسير الآخرون عليها؟!

وبعد قراءة الرسالة من أول سطر إلى آخر تحذير، أعتقد أن العنوان الأنسب لها ليس «رسالة إلى البرلمان المصري»، وإنما «مذكرات مراهقة»!

أما تصريح الرئيس المصري، فلم يكن يعني أن السعودية ضعيفة أو عاجزة عن الدفاع عن نفسها، بل جاء، في قراءتي، تعبيرًا عن إدراك القاهرة لحجم التحديات التي تواجهها المملكة، وعن أهمية التضامن معها في مواجهة الأخطار المشتركة.

فإذا كانت السعودية تواجه كل هذه التحديات، فما بالك لو التحمت اليد المصرية باليد السعودية؟ عندها قد نستيقظ ذات صباح على خبر عاجل مفاده أن المؤامرة أصبحت، كما يقول إخواننا المصريون: «فص ملح وداب»!

أما الحوثي، الذي يذكّر مصر اليوم بعروبتها، فقد يحتاج إلى مترجم مصري ليفهم معنى هذا المثل، خصوصًا أنه ظهر ذات مرة في خطاب موجّه إلى أتباعه ليخبرهم بأن السمك يعيش في البحر!

ولعلها فرصة ليكتشف حقيقة أخرى: أن البحر لا يضم السمك وحده، بل يحتوي على الملح أيضًا.

وعندها لن يحتاج المترجم المصري إلى شرح طويل، بل سيكتفي بالإشارة إلى البحر قائلًا:

«فص ملح... وأهو داب!»