أحمد حساني

أحمد حساني

يعكس مفهوم تحرير اليمن في الفكر السياسي والاستراتيجي السعودي الحديث تحولا جوهريا يتجاوز الأطر العسكرية والتقليدية الضيقة، لينتقل بالكامل إلى رؤية جيوإستراتيجية شاملة ترتكز على الاستقرار المستدام، والتنمية البشرية، وإعادة بناء الدولة الوطنية المستقلة.

وفي المنظور السعودي المعاصر، لم يعد التحرير مجرد عملية عسكرية تهدف إلى استعادة الجغرافيا وتطهير المدن من قبضة الميليشيات الانقلابية، بل بات يحمل دلالات أعمق ترتبط بصناعة المستقبل وصياغة معادلة أمنية وإقليمية جديدة، إن التحرير في الفهم السعودي الجديد يمثل حزمة متكاملة من المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تهدف في النهاية إلى تمكين الشعب اليمني من امتلاك زمام أمره، واستعادة مكانته الطبيعية كعنصر استقرار أساسي في شبه الجزيرة العربية.

ينطلق هذا المفهوم الحديث بالدرجة الأولى من ضرورة تحرير القرار السياسي اليمني وحمايته من التبعية للمشاريع الإقليمية التوسعية، لا سيما المشروع الإيراني الذي حاول طوال السنوات الماضية اختطاف اليمن وتحويله إلى منصة لتهديد أمن الخليج العربي والملاحة الدولية في البحر الأحمر.

حيث ترى الرياض أن اليمن الحر ،هو اليمن الذي يتمتع بسيادة كاملة غير منقوصة، ويدير شؤونه الداخلية والخارجية عبر مؤسسات شرعية دستورية قوية، تكون قادرة على فرض النظام والقانون وبسط نفوذها على كامل التراب الوطني، هذا يعني تفكيك الكيانات الموازية وإنهاء ظاهرة المجموعات المسلحة خارج إطار الدولة، ليكون السلاح حكرا على المؤسسات الرسمية للدولة اليمنية، مما يضمن دمج اليمن في المنظومة الأمنية الإقليمية كشريك موثوق وليس كمصدر للتهديد والمخاطر المحدقة بجيرانه.

لا يتوقف المفهوم السعودي الحديث عند تخوم السياسة والأمن، بل يمتد بعمق ليشمل التحرير التنموي والاقتصادي، وهو المسار الذي ترى فيه المملكة الركيزة الأساسية لضمان عدم ارتداد اليمن إلى مربع الفوضى والصراع، تتبنى الرياض اليوم مقاربة عملية تربط بين مسارات السلام الشامل وجهود إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، ويتجلى ذلك بوضوح في الدعم المالي والتنموي المستمر الذي تقدمه المملكة عبر برامجها المختلفة، وفي مقدمتها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.

التحرير اقتصاديا في الرؤية السعودية يعني انتشال المواطن اليمني من أتون الأزمات المعيشية الخانقة، وإعادة تأهيل البنية التحتية المنهارة، وتوفير الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وطاقة، فضلا عن دعم استقرار العملة الوطنية والمصرف المركزي، هذا التحول من منطق الإغاثة العاجلة إلى منطق التنمية المستدامة يعكس رغبة سعودية جادة في صياغة اقتصاد يمني قوي وقادر على الصمود والاندماج في الاقتصاد الخليجي مستقبلا.

في البُعد الاجتماعي والثقافي، ينطوي التحرير في المفهوم السعودي الحديث على استعادة الهوية العربية الأصيلة لليمن وحمايتها من محاولات التجريف الممنهج والتغيير الفكري والعقائدي الذي مارسته الجماعات الانقلابية، حيث تؤمن القيادة السعودية بأن الاستقرار السياسي والاقتصادي لا يمكن أن يدوم دون تحرير العقول والنسيج الاجتماعي اليمني من الأفكار الدخيلة والطائفية المتطرفة التي تغذي الكراهية والانقسام.

من هنا، يركز الخطاب والجهد السعودي على دعم التوافق الوطني والوئام الأهلي بين مختلف المكونات والقبائل والأطراف اليمنية، وتشجيع لغة الحوار الشامل كبديل للغة السلاح والإقصاء، مع التأكيد المستمر على العمق التاريخي والثقافي المشترك الذي يربط بين الشعبين السعودي واليمني.

على الصعيد الدبلوماسي، يتجسد المفهوم السعودي الحديث للتحرير في السعي الدؤوب نحو إرساء سلام عادل وشامل ومستدام يرتكز على المرجعيات الثلاث المتفق عليها دوليا، وهي المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216.

أثبتت الدبلوماسية السعودية من خلال مبادراتها المتكررة لإعلان وقف إطلاق النار ودعم الجهود الأممية والدولية، أن التحرير لا يعني سحق الآخر بل يعني إخضاعه للمنطق الوطني والدستوري، وفتح الباب أمام جميع اليمنيين للمشاركة في بناء وطنهم دون تمييز أو استقواء بالسلاح، وتدرك المملكة أن استقرار اليمن هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي وأمن المنطقة، ولذلك فإنها تدير هذا الملف بصبر استراتيجي يوازن بين الحسم العسكري عند الضرورة، والمرونة السياسية التي تفتح آفاق الحل السلمي الشامل.

التحرير في هذه المعركة الأخيرة يعني في نظر القيادة السعودية صناعة نموذج للمناطق المحررة يشعر فيه المواطن اليمني بالأمان والمعيشة الكريمة، ليكون هذا النموذج هو الجاذب الحقيقي لالتفاف الشعب حول دولته الشرعية، إنها معركة موجهة بالأساس لإنهاء اختطاف القرار اليمني، وقطع أذرع التمدد الخارجي، من أجل إشراق فجر جديد يثبت أن اليمن المستقل الآمن هو ركيزة لا غنى عنها في صياغة مستقبل الازدهار والنمو المشترك لشبه الجزيرة العربية برمتها.

رؤية فجر اليمن تقدم قراءة عميقة لمتطلبات الاستقرار في البيئات المضطربة؛ فهي تؤكد أن الأمن لا يُصنع بفوّهة البندقية وحدها، بل يكتمل بحضور الدولة العادلة، وسيادة القانون، وازدهار الإنسان.

التزام التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية بدعم اليمن في هذه المحاور الثلاثة المتوازية (الجغرافيا، الدولة، الإنسان) يمثل الضمانة الوحيدة لولادة يمن جديد، آمن في محيطه، سيد على أرضه، ومساهم فعال في بناء الحضارة والاستقرار الإقليمي والدولي، وبذلك تكتمل حلقات الرؤية السعودية في هذا الفجر الجديد الذي لا يقف عند حدود التحرير العسكري بل يتجاوزه إلى صياغة نموذج حضاري متكامل يربط بين حماية السيادة الوطنية والتنمية المستدامة وبناء الإنسان كركائز لا تنفصم لعقد اجتماعي يمني جديد ومستدام.