إبراهيم نيازي

رحلته في الحياة لم تكن دروبها ممهدة، اختار مهمة شاقة بمفرده، يعجز عنها فريق عمل متكامل، دفعه إيمانه برسالته التي سبقت عصره إلى اكتشاف وتوثيق وحفظ تاريخ وتراث مدينة الضياء والجمال أبها، في مجالاتها الإدارية، التراثية، الفنية، الزراعية. إلى جانب أماكن أثرية تاريخية كشواهد على الإنسان والمكان.

وأسفرت جهوده المضنية. ووصوله إلى كهوف الجبال، وتنقله بين الأودية والواجهات الصخرية والأسواق الشعبية وطرق التجارة عن مجموعة صور التقطها باحترافية عالية، كشفت نقوشاً ورسومات، ربطها فيما بعد بأبحاثه في أمهات الكتب، فنفض عنها غبار السنين وصمت الأيام، وكان يلازمه قلمه وكاميرته وسيارته «الجمس الأزرق» أينما حل وارتحل.

صحبته منذ البدايات الأولى قبل نصف قرن من الآن، وهو يضع اللبِنات الأولى لمكتبته «الخليلية» بحضور صديق العمر ورفيق العمل الإعلامي الحكم بن علي علوان شافاه الله، شاهدته يُعيد ويُفهرس بين الحين والآخر كنوزاً لا تقدر بثمن من الكتب والمخطوطات النادرة.

أنور بن محمد آل خليل «رحمه الله» شخصية ثقافية سخر حياته لجمع كل ما يتعلق بتاريخ مدينة أبها بترتيب ضوئي زمني ذكي وملفت عبر قرن وأكثر، شمل الصور القديمة، المذكرات، المناسبات، المعاملات، العملات النقدية والورقية والمراسلات وغيرها.

اقتطع من بيته في جوحان ببنائه العسيري القديم مكاناً لمكتبته «الخليلية»، مارس فيها الكتابة، الرسم، التأليف، ويستقبل الأصدقاء ، الزوار، الطلاب، الباحثين في أجواء تراثية نقية، أعادت إلى الأذهان جمال ووداعة الماضي وأهله.

ولم يبخل في إطلاع المهتمين على ما لديه فقط، بل نقل بكل أمانة ما جمعه إلى شريحة كبيرة من المتلقين من خلال محاضرات وندوات شارك فيها، أو عبر مقاطع قصيرة، أشرف على إعدادها وتقديمها بنفسه، ومن ثم بثها على وسائل التواصل الاجتماعي، ولقيت تفاعلا، وقبولاً من الناس في حينها.

كان رحمه الله يحظى بثقة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل شفاه الله، وقد كلفه سموه في الثمانينيات الميلادية بتصوير مهمات، ومناسبات ثقافية وتنموية. عاندته الأيام كثيراً، لكنه تحمل بكبرياء الصمت، ولم

يلتفت للمحبطين، وسعى إلى تحقيق حلمه الكبير، ونجح بتوفيق الله في «رصد وتوثيق تاريخ أبها بالضوء»، واستطاع أن يُرمم ويحفظ ملامح حياة اجتماعية بكل زخمها كادت أن تتوارى خلف النسيان.

وهو فنان ومصور ورسام وخطاط مبدع، له مجموعة من اللوحات الفنية بمقاسات مختلفة موضوعاتها فكر وتراث وأصالة مستوحاة من الماضي والحاضر.

تأثر بالعالم العربي الموسوعي ابن الهيثم مؤسس علم البصريات وقوانين الانعكاس والانكسار، والكاميرا المظلمة، كان يتحدث أمامي كثيراً وبإعجاب عن المساهمات العلمية، لذلك العالم خاصة في قوانين الضوء على المرايا.

ومن خلال قراءاتي لمقالاته في صحيفة الوطن وبعض المجلات وجدته يركز ويستدعي الوفاء بسخاء المحبة وترسيخ الذكرى الجميلة لقامات اجتماعية رحلت إلى دار القرار.

طاف في رحلاته مدن المملكة، واستحوذ حب «المدينة المُنيرة» على قلبه فتردد عليها كثيراً قبل مرضه، وكان يُطلعني على صور جميلة التقطها في أماكن مختلفة على ساكنها أفضل الصلاة والتسليم.

جمعتني به -رحمه الله- قبل عقدين أنوار ليالي حي الصفيح في استراحة الفنان والرسام عطر الأرض «إبراهيم بن محمد مناظر» -رحمه الله-، وبحضور مسائي لا ينقطع لكوكبة مضيئة من أصدقاء العمر، واستمرت تلك اللقاءات بضعة أعوام؛ حتى أخذت أوراق شجرة الرفاق تتساقط واحدة تلو الأخرى، ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقبل شهرين تقابلنا في حفل تكريم رئيس مؤسسة قدوات عطاء ووفاء للوطن الصديق ناصر بن عبدالله العواد في داره العامرة لمجموعة من الموثقين البصريين على مستوى المملكة، وقد ارتجل الراحل كلمة شرح فيها أهمية الصورة في عالم اليوم، ودعا إلى الحفاظ على حقوق الملكية الفكرية للصورة، والإشارة بأمانة إلى مصدرها الأساسي، بعد ذلك اتجه المشاركون والضيوف للسلام عليه بحرارة وكأنه الوداع الأخير، وكان بالفعل الوداع الأخير.

رحم الله الصديق الفقيد أنور آل خليل، رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

وأرجو من أبنائه الدكتور بندر وفيصل وعبدالسلام وشقيقه الصديق حامد آل خليل أن يواصلوا الاهتمام بالخليلية وتفقد محتوياتها من التلف وأن يبادروا إلى أرشفتها إلكترونياً.