أبها: حسين معشي

تقف واشنطن وطهران أمام معادلة تعجز القوة وحدها عن كسرها؛ فاستمرار المواجهة يرفع كلفتها العسكرية والسياسية، وتجدد الضربات لا يضمن حسم الخلافات، فيما تتحرك الوساطة بين شروط متعارضة بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي. ويكشف أحدث القراءات البحثية والتطورات الدبلوماسية أن الطرفين يملكان أوراق ضغط مؤثرة، غير أن تحويلها إلى اتفاق ينهي المواجهة يبقى الاختبار الأصعب، مع اتساع تداعيات الحرب على أمن المنطقة وسلامة الملاحة.

حدود القوة

ترى سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، أن بقاء الوضع الراهن بات عصيا على التحمل؛ فالحصار يضغط على إيران، لكنه يستنزف في المقابل قطعا بحرية أمريكية تحتاج إليها واشنطن في حساباتها العسكرية الأوسع. ويذهب جيسون كامبل، الباحث في معهد الشرق الأوسط، إلى أن جولة جديدة من الضربات قد لا تغير حسابات القيادة الإيرانية التي أبدت استعدادا لتحمل أضرار جسيمة. وبذلك تحمل التحركات العسكرية دلالة مزدوجة، تجمع بين الاستعداد لاحتمال استئناف العمليات ومحاولة رفع سقف الضغط التفاوضي. وتبقى المسافة واسعة بين القدرة على توجيه ضربات إضافية والقدرة على فرض تسوية دائمة، خصوصا مع تداخل حسابات الحرب بالانتخابات الأمريكية المقبلة، ما يعني أن زيادة الحشود قد توسع الخيارات العملياتية دون أن تجيب عن سؤال إنهاء النزاع.

رسائل الردع

ويربط تحديث مشترك صادر عن معهد دراسة الحرب ومشروع كريتيكال ثريتس بين التهديدات الإيرانية بتوسيع نطاق الأهداف والتحذيرات الاستخباراتية الأمريكية من تصاعد محاولات استهداف أمريكيين في الخارج، ويقدر الباحثون أن الرسائل الإيرانية تسعى إلى ردع عمليات جديدة بالتوازي مع الاستعداد لوقوعها. وتعكس مراجعة واشنطن إجراءات حماية بعثاتها وأعداد العاملين فيها اتساع أثر المواجهة ليبلغ المجال الدبلوماسي، من دون أن تكفي هذه الخطوات للجزم بقرب هجوم، إذ ترتبط أيضا بتقديرات التهديد ومتطلبات حماية الأفراد والمنشآت. ويضاعف هذا التداخل صعوبة قراءة الإشارات المتبادلة، ويرفع احتمالات سوء التقدير إذا فسرت إجراءات الحماية استعدادا هجوميا، أو تحولت رسائل الردع إلى التزامات يصعب التراجع عنها.

اختبار الوساطة

دبلوماسيا، أكد السفير الإيراني في إسلام آباد استمرار استعداد طهران للمحادثات، مشيرا إلى عرض نقلته باكستان لإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي، فيما دعا الرئيس مسعود بزشكيان إلى محاولة جديدة لإنجاز الاتفاق المؤقت، رغم تحميله واشنطن مسؤولية تعثره. وتبقي هذه المواقف الوساطة الباكستانية حاضرة، إلى جانب الدور القطري الذي أسهم في التفاهم السابق، من دون إعلان اختراق أو تحديد موعد لجولة تفاوضية جديدة. وتكمن العقدة في ترتيب الالتزامات: أي خطوة تأتي أولا، وكيف تضمن استمراريتها، وكيف تمهد إجراءات الملاحة والحصار لتفاوض أوسع حول الملف النووي. ولذلك يظل المخرج رهنا بقدرة الوسطاء على تحويل الاستعداد للحوار إلى خطوات متزامنة يمكن التحقق منها، وحتى ذلك الحين تبقى التهديدات والحشود أدوات ضغط، وتقاس جدوى الدبلوماسية بقدرتها على منع جولة جديدة توسع الأضرار وتؤجل التسوية.