حسين محمد معلوي

لم تعد الحروب في هذا العصر مقتصرة على المواجهات العسكرية التي تعلنها الدول والحكومات الشرعية لأسباب سياسية أو عسكرية أو إستراتيجية، بل أصبح إشعالها يتم أحيانًا بواسطة كيانات ما دون الدولة تمثلها مليشيات مسلحة غير شرعية، لا تملك مقومات الدولة ولا حق اتخاذ قرارات الحرب والسلم، وإنما تعتمد في استمرارها وتعاظم قدراتها على الدعم الذي تتلقاه من دول تسعى إلى تحقيق أهدافها ومصالحها غير المشروعة، على حساب أمن الدول الأخرى واستقرارها عن طريق منظمات العملاء.

جماعة الحوثي في اليمن تُعد نموذجًا واضحًا لهذه الحروب القذرة، إذْ لم يكن بإمكان هذه الجماعة البدائية أن تتمكن من تهديد المملكة العربية السعودية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باستخدام تقنيات متطوره نحو الأراضي والمنشآت السعودية، لولا ما تتلقاه من دعم عسكري وتقني واستخباري ولوجستي من دول خارجية معادية. فامتلاك هذه القدرات، بما تتطلبه من تقنيات متقدمة وتحديد دقيق للأهداف، لا يمكن تفسيره بإمكانات الجماعة الذاتية والبدائية وحدها، بل يرتبط بالدعم الخارجي الذي أسهم في تطوير قدراتها وتعزيز إمكانياتها على مواصلة الهجمات.

كشفت تلك الممارسات عند النظر إليها في سياق الصراعات الإقليمية، عن توظيف الجماعات المحلية المسلحة لتحقيق أهداف تتجاوز مصالح المجتمعات التي تنتمي إليها لتزيد من تعقيد الأوضاع الأمنية والسياسية في المنطقة وخاصة العربية. وفي المقابل، يثير موقف القوى الدولية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، تساؤلات جوهرية بشأن مدى التزامها بحماية الأمن والسلم الدوليين وتطبيق القانون الدولي على الجميع دون استثناء.

الهجمات الحوثية على المملكة العربية السعودية لا يمكن النظر إليها باعتبارها أحداثًا منفصلة عن المشروع الإقليمي الذي تدعمه إيران، وتتماهى معه بعض الدول الإقليمية والكبرى، فهذه الجماعة تهدد أمن المملكة وتستهدف استقرارها وتعطيل منجزاتها التنموية، وأمريكا تتماهى مع ذلك لفرض التطبيع مع إسرائيل.

في جميع الأحوال استمرار حصول الحوثيين على قدرات متطورة يمثل تحديًا أمنيًا لا يقتصر أثره على المملكة، بل يمتد إلى أمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.

المملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل عربي وإسلامي، وبما حققته من منجزات تنموية وإستراتيجية ظلت هدفًا لمحاولات الضغط والتهديد، إلا أنها أثبتت قدرتها على حماية أمنها وسيادتها ومواصلة مسيرتها التنموية، وستظل مواجهة هذه التهديدات ضرورة لحماية المواطنين والمقدرات الوطنية وردع كل من يسعى إلى استخدام المليشيات المسلحة أداةً لتحقيق أهدافه الإقليمية.

ولا تقتصر خطورة هذه الحروب القذرة على المملكة وحدها، فالدول العربية والإسلامية تواجه تحديات تستهدف أمنها ومواردها الطبيعية ومعادنها وممراتها الإستراتيجية، فضلًا عن محاولات إعاقة انتقالها إلى مراحل متقدمة من التنمية والتقدم النوعي في جميع المجالات.