إنما الأمم الأخلاق ما بقيتْ
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لا أدري إن كان ما نراه ونقرأه في فضاء التواصل الاجتماعي يعكس حقيقة مجتمعاتنا العربية، أم أنه مجرد وجه مشوّه لا يمثل إلا أصحابه!!
إن كان هذا المشهد انعكاسًا صادقًا لواقعنا، فنحن أمام انحدار أخلاقي ينذر بعواقب وخيمة؛ فالأمم لا يتهددها التخلف المادي بقدر ما يتهددها انهيار منظومتها القيمية.
منحت وسائل التواصل الجميع منابر للتعبير، لكنها في الوقت نفسه ،منحت بعض السفهاء سلطة لم يكونوا جديرين بها؛ فأصبح التشهير ترفيهًا، والافتراء وسيلة لحصد المشاهدات، والاتهام حكمًا لا يحتاج إلى دليل، في محاكم رقمية يتولى فيها الغوغاء أدوار الخصم والقاضي والجلاد.
والمؤسف أن تلك الرداءة لا تقتصر على الأفراد؛ فقد وجدت بعض الكيانات والدول، في الفضاء الرقمي مجالًا رحبًا للتمدد الافتراضي وصناعة عظمة متوهَّمة، عبر مئات، بل آلاف المعرّفات التي تتبارى في تمجيد الذات والانتقاص من الآخرين، وتزوير التاريخ، وتضخيم الخلافات، والفجور في الخصومة. وما إن يتصدى بعض الغيورين على أوطانهم لهذا الطوفان حتى يسارع صانعوه إلى الشكوى وادعاء المظلومية، وكأن الإساءة حق لهم، والرد عليها عدوان لا يُغتفر!
في علم النفس نجد تفسيرًا لهذه الظاهرة؛ إذ يشير ما يُعرف بـ«تأثير الحقيقة الوهمية» إلى أن تكرار المعلومة قد يزيد من قابلية تصديقها، ولو كانت زائفة. وهكذا تحاول الحملات الرقمية المنظمة أن تصنع من تكرار الأكاذيب مظهرًا للحقيقة، ومن كثرة المعرّفات وهمًا بالإجماع، ومن الضجيج سلطة معنوية تضغط على المستهدفين وتشوّه سمعتهم.
بلغت أحلام بعضهم مبلغًا لا قِبَل لهم به، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية هدفًا لحملات تتجاهل مكانتها في وجدان نحو ملياري مسلم، وتاريخها الحافل بالعطاء، وسخاءها المعروف للقاصي والداني، ومواقفها التي جعلتها، على مدى عقود، عونًا وسندًا لكثير من الدول والشعوب.
إلى وقتٍ غير بعيد كان بعض المخلصين يرددون مطمئنين: لا بأس إن قذفوا السعودية، فالناس لا يقذفون بالحجارة إلا الشجرة المثمرة، ولا يلتفتون إلى شجرة ميتة أو خالية من الثمر. غير أن ما نراه اليوم تجاوز قذف الثمار؛ إذ بات بعض من يأكلون ثمر الشجرة يهددون بقص فروعها، بل واقتلاع جذورها! وفي ذلك مفارقة أخلاقية تستحق التأمل؛ فليس أشد جحودًا ممن ينتفع بالعطاء، ثم يجعل من الإساءة إلى صاحبه ميدانًا لاستعراض القوة.
والأشد إيلامًا أن هذه المحاكم الرقمية لا تكتفي بالكذب والتشهير، بل تطالب ضحاياها بالاعتذار، حتى إن كانوا أبرياء، وكأن الاعتذار لم يعد تعبيرًا عن الإقرار بالخطأ، وإنما صك استسلام يُنتزع تحت ضغط الغوغاء.
وما أشبه حال بعض ضحايا هذه المحاكمات بقول البحتري:
إذا محاسني اللاتي أُدلُّ بها
كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذرُ؟
فإذا دافع المُخلص الصادق عن نفسه وبلاده وتاريخها اتُّهم بالمكابرة، وإذا صمت عُدّ صمته إقرارًا، وإذا اعتذر اتُّخذ اعتذاره دليل إدانة!
يبقى أن هذه المحاكمات، مهما ارتفع ضجيجها، لا تملك تغيير حقائق التاريخ، ولا محو المواقف التي تشهد بها الأيام.
الوعي يظل الحصن الأول في مواجهة التضليل، والاعتزاز بالذات والوطن لا يستمد مشروعيته من انتقاص الآخرين، بل من معرفة الإنسان قدر نفسه، وإدراكه تاريخ وطنه ومنجزاته. أما الأخلاق فهي السياج الذي يردع الواعي عن الانجراف وراء الإسفاف، أو مجاراة من يصنعون أمجادهم الافتراضية على حساب سمعة الآخرين.
العظمة الحقيقية ليست ادعاءً تردده المعرّفات، وإنما تاريخ تعرفه المواقف، ورصيد تشهد له أيام الرخاء والشدائد.
وعليه، بوسع الغوغاء أن يجلبوا بخيلهم ورجلهم، وأن يستنفروا ما شاؤوا من المعرّفات والأصوات، لكن الواثق من نفسه ووطنه ليس بحاجة إلى مجاراتهم في ضجيجهم؛ فحسبه أن ينشر التاريخ كما هو، وأن يدع الحقائق تتحدث، لتسقط أمامها أصنام العظمة المتوهَّمة، دون أن يتخلى عن أخلاقه أو ينحدر إلى مستوى خصومه.
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
لا أدري إن كان ما نراه ونقرأه في فضاء التواصل الاجتماعي يعكس حقيقة مجتمعاتنا العربية، أم أنه مجرد وجه مشوّه لا يمثل إلا أصحابه!!
إن كان هذا المشهد انعكاسًا صادقًا لواقعنا، فنحن أمام انحدار أخلاقي ينذر بعواقب وخيمة؛ فالأمم لا يتهددها التخلف المادي بقدر ما يتهددها انهيار منظومتها القيمية.
منحت وسائل التواصل الجميع منابر للتعبير، لكنها في الوقت نفسه ،منحت بعض السفهاء سلطة لم يكونوا جديرين بها؛ فأصبح التشهير ترفيهًا، والافتراء وسيلة لحصد المشاهدات، والاتهام حكمًا لا يحتاج إلى دليل، في محاكم رقمية يتولى فيها الغوغاء أدوار الخصم والقاضي والجلاد.
والمؤسف أن تلك الرداءة لا تقتصر على الأفراد؛ فقد وجدت بعض الكيانات والدول، في الفضاء الرقمي مجالًا رحبًا للتمدد الافتراضي وصناعة عظمة متوهَّمة، عبر مئات، بل آلاف المعرّفات التي تتبارى في تمجيد الذات والانتقاص من الآخرين، وتزوير التاريخ، وتضخيم الخلافات، والفجور في الخصومة. وما إن يتصدى بعض الغيورين على أوطانهم لهذا الطوفان حتى يسارع صانعوه إلى الشكوى وادعاء المظلومية، وكأن الإساءة حق لهم، والرد عليها عدوان لا يُغتفر!
في علم النفس نجد تفسيرًا لهذه الظاهرة؛ إذ يشير ما يُعرف بـ«تأثير الحقيقة الوهمية» إلى أن تكرار المعلومة قد يزيد من قابلية تصديقها، ولو كانت زائفة. وهكذا تحاول الحملات الرقمية المنظمة أن تصنع من تكرار الأكاذيب مظهرًا للحقيقة، ومن كثرة المعرّفات وهمًا بالإجماع، ومن الضجيج سلطة معنوية تضغط على المستهدفين وتشوّه سمعتهم.
بلغت أحلام بعضهم مبلغًا لا قِبَل لهم به، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية هدفًا لحملات تتجاهل مكانتها في وجدان نحو ملياري مسلم، وتاريخها الحافل بالعطاء، وسخاءها المعروف للقاصي والداني، ومواقفها التي جعلتها، على مدى عقود، عونًا وسندًا لكثير من الدول والشعوب.
إلى وقتٍ غير بعيد كان بعض المخلصين يرددون مطمئنين: لا بأس إن قذفوا السعودية، فالناس لا يقذفون بالحجارة إلا الشجرة المثمرة، ولا يلتفتون إلى شجرة ميتة أو خالية من الثمر. غير أن ما نراه اليوم تجاوز قذف الثمار؛ إذ بات بعض من يأكلون ثمر الشجرة يهددون بقص فروعها، بل واقتلاع جذورها! وفي ذلك مفارقة أخلاقية تستحق التأمل؛ فليس أشد جحودًا ممن ينتفع بالعطاء، ثم يجعل من الإساءة إلى صاحبه ميدانًا لاستعراض القوة.
والأشد إيلامًا أن هذه المحاكم الرقمية لا تكتفي بالكذب والتشهير، بل تطالب ضحاياها بالاعتذار، حتى إن كانوا أبرياء، وكأن الاعتذار لم يعد تعبيرًا عن الإقرار بالخطأ، وإنما صك استسلام يُنتزع تحت ضغط الغوغاء.
وما أشبه حال بعض ضحايا هذه المحاكمات بقول البحتري:
إذا محاسني اللاتي أُدلُّ بها
كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذرُ؟
فإذا دافع المُخلص الصادق عن نفسه وبلاده وتاريخها اتُّهم بالمكابرة، وإذا صمت عُدّ صمته إقرارًا، وإذا اعتذر اتُّخذ اعتذاره دليل إدانة!
يبقى أن هذه المحاكمات، مهما ارتفع ضجيجها، لا تملك تغيير حقائق التاريخ، ولا محو المواقف التي تشهد بها الأيام.
الوعي يظل الحصن الأول في مواجهة التضليل، والاعتزاز بالذات والوطن لا يستمد مشروعيته من انتقاص الآخرين، بل من معرفة الإنسان قدر نفسه، وإدراكه تاريخ وطنه ومنجزاته. أما الأخلاق فهي السياج الذي يردع الواعي عن الانجراف وراء الإسفاف، أو مجاراة من يصنعون أمجادهم الافتراضية على حساب سمعة الآخرين.
العظمة الحقيقية ليست ادعاءً تردده المعرّفات، وإنما تاريخ تعرفه المواقف، ورصيد تشهد له أيام الرخاء والشدائد.
وعليه، بوسع الغوغاء أن يجلبوا بخيلهم ورجلهم، وأن يستنفروا ما شاؤوا من المعرّفات والأصوات، لكن الواثق من نفسه ووطنه ليس بحاجة إلى مجاراتهم في ضجيجهم؛ فحسبه أن ينشر التاريخ كما هو، وأن يدع الحقائق تتحدث، لتسقط أمامها أصنام العظمة المتوهَّمة، دون أن يتخلى عن أخلاقه أو ينحدر إلى مستوى خصومه.